عاصف ، وعن قليل تلتف القرون بالقرون ، ويحصد القائم ، ويحطم المحصود » .
والعجيب أن ما تكهن به الإمام عليه السلام في هذه العبارات القصار قد وقع سريعاً ، فقد طحنت الكوفة بفتن بني أمية ومن بعدهم بني العباس ؛ لتصبح هذه المنطقة مركزاً المختلف الحوادث العنيفة ، وكل من كان له أدنى المام بتاريخ الكوفة يدرك بسهولة عمق كلمات الإمام عليه السلام التي أوردها في هذه الخطبة .
والعبارة :
« تلتف القرون بالقرون »
إشارة إلى الحروب الطاحنة التي خاضها مختلف الأقوام في العراق والكوفة ، ولا سيما حروب بني أمية وبني العباس .
والعبارة :
« يحصد القائم ، ويحطم المحصود »
كناية لطيفة عن الاضرار والخسائر التي تلحق بالامّة طيلة هذه الحوادث . فمن كان قائما صرع ، ومن كان مصروعا تحطم .
أمّا ابن أبي الحديد فقد قال في شرحه للعبارة :
« يحصد القائم »
كناية عن قتل أمراء بني أمية في الحرب
و « يحطم المحصود »
كناية عن قتل المأسورين منهم صبراً ، وهكذا وقعت الحال .
والحق أن ما ذكره ابن أبي الحديد هو بعض مصاديق المفهوم الواسع للعبارة المذكورة .
تأمّلان
1 - الملاحم
ملاحم جمع ملحمة تعني في الأصل الواقعة المهمة المقرونة بالفتنة ، وقد طالعتنا أغلب خطب نهج البلاغة في بعض الموارد التي يتحدث فيها أمير المؤمنين علي عليه السلام عن الفتن المهمة التي تنتظر الناس ، ثم يشرح جزئياتها ، ويعلن صراحة أنه سمع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله . ويبدو أن الإمام عليه السلام يهدف شيئين من هذه الأخبار : الأول : حب الإمام عليه السلام للناس الذي يدفعه لاخبارهم بغية تأهبهم واستعدادهم ليحذروا من أخطار هذه الفتن ؛ بالضبط كمن يخبر الآخرين قبل وقوع الزلزال أو السيل ؛ وان تعذر منعها ، إلّاأنّ العلم المسبق يحد من هذه الاخطار ، الثاني : أفهامهم أنّ التواني عن الجهاد والضعف والاختلاف إنّما يقود إلى مثل هذه الحوادث ، علهم يفيقون إلى أنفسهم فيتوبون وينيبون إلى الله .
وسنبحث نظير هذه الأمور في شرحنا للخطب 128 و 138 من هذه الكتاب .