والجدير ذكره ما ورد شبيه هذه العبارة في الخطبة 87 بشأن القرآن في وصفه خلص عباد الله الذين جعلوه محوراً في حياتهم
« فهو قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله » .
وهذا تأكيد آخر لحديث الثقلين .
ثم تطرق عليه السلام إلى خصائص طائفة معينة من صحب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ليقتدي بها صحبه ، فقال عليه السلام :
« لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، فما أرى أحدا يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثا « 1 » غبراً » . « 2 »
ثم قال في صفتهم الثانية :
« وقد باتوا سجداً وقياماً ، يراوحون « 3 » بين جباههم
وخدودهم « 4 » » .
وقال أيضاً :
« ويقفون على مثل الجمر « 5 » من ذكر معادهم » .
نعم فقد شعروا بعظم العذاب الإلهي بكل كيانهم ، فلم يهدأ بالهم ويسكن روعهم
: « كأنّ بين أعينهم ركب « 6 » المعزى « 7 » من طول سجودهم »
، فقد ذاقوا حلاوة العبودية ، فتراهم يطيلون سجودهم ، حتى بدت آثار السجود على جباههم .
« إذا ذكر الله هملت « 8 » أعينهم حتى تبل جيوبهم » .
فقد تنهمر دموعهم حياً لله تارة ، وخوفاً من العقاب وخشية الفراق تارة أخرى :
« ومادوا « 9 » كما يميد الشجر يوم الريح العاصف ، خوفاً من العقاب ، ورجاءا للثواب » .
والتشبيه بالشجر الذي يميد من جراء الريح العاصف ، هو تشبيه رائع ، وقد أشار عليه السلام إلى
هامش
( 1 ) « لشعث » جمع « أشعث » وهو المغير الرأس وهى كناية عن الفقر أو الزهد .
( 2 ) غير جمع أغير بمعنى الغبار .
( 3 ) « يراوحون » من مادة « تراوح » القيام بالأعمال الواحد بعد الاخر .
( 4 ) « خدود » جمع « خد » طرفا الوجه .
( 5 ) « جمر » جمع « جمرة » قطعة من النار ، وتطلق الجمرة وجمعها جمرات .
( 6 ) « ركب » جمع « ركبة » موصل الساق من الرجل بالفخذ .
( 7 ) « معزى » و « معز » معروف .
( 8 ) « هملت » من مادة « همول » الجريان والنزول .
( 9 ) مادوا من مادة ميدان الحركة والاضطراب .