الصلح والسلام ، وتارة الراحة والأمان وأخرى التعب والبلاء . والأصدقاء الأوفياء والاخوة الثقاة لا يعرفون عند الراحة والاستقرار ، وميدان معرفتهم إنّما يكمن في الصعوبات والمعضلات والنزاعات والبلايا والأحداث الأليمة ، وممّا يؤسف له أهل الكوفة لم ينجحوا آنذاك في الامتحان ، وقد كشفوا مراراً عن غدرهم وضعفهم وعدم صمودهم وثباتهم .
ومن هنا دعا عليهم الإمام عليه السلام في العبارات القادمة ، ثم اختتم كلامه يتشبيهين رائعين لاوضاعهم النفسية فقال :
« تربت « 1 » أيديكم »
، ثم اتبعها بالقول :
« يا أشباه الإبل غاب عنها
رعاتها » .
فالتشبيه تعبير واضح عن جهل القوم وعدم انضباطهم . فقد شبههم في البداية بالحيوانات ومن ثم بعدم وجود الراعي النافذ الكلام .
ثم قال عليه السلام بعد أن أقسم أنّهم لو حمي الوطيس ونشبت الحرب لتركوا الإمام عليه السلام وحده في الساحة وانفرجوا عنه انفراج المرأة عن وليدها حين وضعها لحملها :
« والله لكأني بكم فيما إخالكم : أن لو حمس « 2 » الوغى « 3 » ، وحمي « 4 » الضراب ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج
المرأة عن قبلها » .
هذا وقد ذكرت عدة تفاسيرللعبارة
« انفرجتم . . . »
إلّاأن ما أوردناه سابقا هو الأنسب لمقام أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى جانب رعاية الفصاحة والتناسب في مقام التشبيه . فالمرأة حين الوضع ترجو أن تضع حملها كل لحظة لما تعانيه من الام وأوجاع ، والإمام عليه السلام شبه أهل الكوفة بهذه المرأة التي تعد اللحظات أملا في وضع الحمل ، فكانوا يعيشون حالة من الجزع في ميدان القتال بحيث ينتظرون بفارغ الصبر الفرصة المؤاتية للهروب من ساحة المعركة ، وهو الهروب الذي لاعودة فيه ، كالوليد الذي ينسلخ عن رحم أمه فلا يعود إليه . وللإمام عليه السلام تشبيه رائع
هامش
( 1 ) « تربت » من مادة « تراب » ، تستعمل في الخسارة والفقر ، وكأنّ الفقير قد صرع وخالط التراب يده .
( 2 ) « حمس » بالفتح من مادة « حمس » على وزن قفص بمعنى الشدة و « الحماسة » و « التحمس » يعني التشديدولا سيما في المعركة .
( 3 ) « وغى » يعني في الأصل أصوات المقاتلين في المعركة ، كما تطلق على نفس المعركة ، وقد وردت عنا بهذا المعنى .
( 4 ) « حمى » من مادة « حمى » على وزن سعي شدة الحرارة ، و « الضراب » بمعنى الاشتياك والمناوشة والقتال .