فانّ هذا الكلام يعبر عن مدى الأذى الذي تعرض له عليه السلام من تلك الجماعة . وبالطبع فهذه ليست المرة الأولى التي يشكو فيها الإمام عليه السلام بل ورد ذلك في أكثر من خطبة من خطب نهجالبلاغة والتي تفيد بأجمعها عدم معرفة مقامه عليه السلام ورعاية حرمته إلى جانب الآذى والألم الذي جرعوه إيّاه . فقد إستهل كلامه عليه السلام بالقول :
« ملكتني عيني وأنا جالسٌ »
فالعبارة « ملكتني عيني » من فصيح الكلام الذي أراد به عليه السلام غلبني النوم ، لأنّ العين هي العضو الأول الذي تظهر عليه آثار النوم ، ومن هنا استعملت كناية عن مفهوم النوم . ثم قال عليه السلام :
« فسنح لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقلت : يا رسول اللّه ! ماذا لقيت من أمّتك من الأود واللّدد ؟ » .
لعلنا لا نرى نظيراً للإمام عليه السلام من أولياء اللَّه طلية التأريخ ممن جوبهوا بمثل هذا العداء والتمرد العصيان والأذى . ولم يقتصر ذلك على تلك المدة التي حكم فيها ، بل امتد ليشمل حتى تلك الفترة التي أصبح فيها جليس الدار مدة خمس وعشرين سنة ، فقد تعرض لمثل ذلك الأذى طيلة الخلافة الراشدة ولا سيما إبان خلافة عثمان حين ضاق ذرعاً بالممارسات الخطيرة التي طالت بيت مال المسلمين فحاول الإصلاح لإعادة الأمور إلى مجاريها ، فجوبه بسخط واسع ونقمة عامة ، الأمر الذي بلغ ذروته حين آلت إليه الخلافة . وعليه فلايبدو من العجيب أن يشكو الإمام عليه السلام الامّة إلى النبي صلى الله عليه وآله رغم ما وصف به من الصبر والتحمل ، فهو الذي صبر وفى العين قذى وفى الحلق شجى . ولنرى جواب النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام :
« فقال : « ادع عليهم »
، فقال الإمام عليه السلام :
« فقلت : أبدلني اللّه بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً لهم منّي »
. والسؤال الذي يقتدح إلى الذهن : لم أمر الرسول صلى الله عليه وآله بالدعاء عليهم وهو الموصوف بأنّه
« رحمة للعالمين » ؟
ونقول في الجواب أنّ طغيان طائفة من الناس وتمردها قد يصل درجة تغلق معها كافة منافذ الرحمة بوجهها فلا تبقى لنفسها سوى العذاب وسلب النعمة ، وهكذا نرى الأنبياء الذين يمثلون ذروة الصبر والتحمل والحكمة واللطف والرحمة يرون هذه المفردات إنّما تتجسد في الدعاء على أقوامهم بعد وصولهم إلى مرحلة لا يرجى بعدها هدايتهم . فهذا نبي اللَّه نوح عليه السلام قد جهد تسعمائة وخمسين سنة في تبليغ رسالة ربه وتحمل ذلك الأذى في سبيل هداية قومه ، ولما لم ير
نفحات الولاية — صفحة 86
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٨٦