تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
تدارى البكار « 1 » العمدة ، « 2 » والثّياب المتداعية ، « 3 » كلّما حيصت « 4 » من جانبٍ تهتّكت من آخر » فالتشبيهات التي أوردها من قبيل التشبيهات الغاية في الروعة والدقة التي تكشف النقاب عن طبيعة أهل الكوفة ، فالتأريخ يشير إلى مدى الضعف والوهن الذي ساد عسكر الإمام عليه السلام بعيد موقعة صفين بفعل ما كانوا عليه من جهل وذل وهوان . فقد كان جلهم من الأفراد الذين خلدوا إلى الدعة والرحة وعدم التمتع بالآفاق والأفكار التي تجعلهم يتعرفون على ما حولهم من الأحداث . فلم تكن تهتز لهم قصبة رغم الحملات والغارات المباغتة التي كان يشنها أهل الشام على هذه المنطقة أو تلك من مناطق البلاد الإسلامية ، وهم يرتكبون أفضغ الجنايات وأبشع الجرائم إلى جانب سلبهم الأموال واخرابهم للدور . فقد شبههم الإمام عليه السلام بادئ ذي بدء بالنوق الفتية التي أعدت حديثاً للركوب وقد يجرح أحياناً سنامها . ومن الواضح أنّ هذا هو حال النوق في بداية عهدها وأنّ عليها أن تتحمل حتى يشد ظهرها ويستحكم سنامها . أمّا تلك الجماعة فلم تتعرض إلى ذلك الحمل الخفيف في موقعة صفين حتى جثت على ركبتيها ، مع ذلك فانّ الإمام عليه السلام عاملها بمنتهى المدارة علها تنهض وتستعيد قوتها وشجاعتها . وفى التشبيه الثاني شبههم بالاسمال الخلقة البالية التي تشق بأدنى حركة ، فإذا خيطت من جانب شقت وتمزقت من آخر . نعم فهؤلاء قد فقدوا كل عناصر الصمود والثبات إثر ضعفهم وخلودهم إلى الراحة والنكوص عن القتال ، فكانوا كلما جمعوا من جانب تفرقوا من آخر ، فما أعظمها من مشكلة أن يبتلى قائد شجاع وحكيم بمثل هذا الجيش المهزوم . حقا كان الإمام عليه السلام يعيش حالة
هامش
( 1 ) « البكار » جمع « بكر » على وزن مكر من مادة « بكور » ، الفتي من الإبل ، ولابدّ من لالتفات إلى أنّها تستعمل‌بشأن الإنسان أيضاً وجمعها أبكار . و « بكر » على وزن مكر ، ويطلق على الصغير من أُنثى الإبل وجمعها « أبكار » . ( 2 ) « عمدة » من مادة « عمد » على وزن حمد بمعنى إقامة الشئ بالعمود ، وتطلق على الدابة التي انفتح داخل سنامها من الركوب وظاهره سليم . ( 3 ) « متداعية » من مادة « دعوت » ، وهذا الاصطلاح يستعمل للاشخاص يدعون بعضهم الآخر إلى شيء معين ، ومن هنا يطلق على قطعة القماش البالية والتي عندما تتمزق أحدى زواياها كأنما تدعوا لزاوية الأخرى لتكون مثلها ، يطلق على هذه القطعة البالية « المتداعية » . ( 4 ) « حيصت » من مادة « حيص » على وزن حوض بمعنى خيطت .