إعتادوا على الراحة والرفاه ولذة العيش ، وهذا هو سبب ذلهم وهوانهم وجرأة العدو عليهم . ثم قال عليه السلام
« وإنّي لعالمٌ بما يصلحكم ، ويقيم أودكم ، « 1 » ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي »
. فقد ذكر الشرّاح تفسيرين لهذه العبارة لايتنافيان مع بعضهما ، ولعل كلاهما صادق :
الأول أنّه أستطيع أن أفعل ما يفعله معاوية ويستيمل زعماء القبائل والناس بأموال بيت مال المسلمين ، الا أني لا أفعل ما يسخط اللَّه ، ولا أقيم دعائم حكومتي على حساب الفقراء والضعفاء وهضمهم حقوقهم ، والثاني يمكنني أن أفعل ما يفعله الآخرون من حملكم بالقوة على قتال العدو . فقد جاء في كتاب الغارات أن الإمام عليه السلام خاطب أهل الكوفة قائلًا :
« واللّه لقد ضربتكم بالدّرة الّتي أعظ بها السّفهاء فما أراكم تنتهون ، ولقد ضربتكم بالسّياط الّتي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون ، فما بقي إلّا سيفي ! وإنّي لاعلم الّذي يقوّمكم بإذن اللّه ولكنّي لا أحبّ أن آتى تلك منكم » « 2 »
. ونموذج ذلك قد تمثل بالحجاج حين هجم جيش المهلب ( أحد زعماء الخوارج ) وسدد ضرباته القاصمة لحكومة بني أمية ، فبعث الحجاج من نادى بالكوفة من تخلف عن قتال جيش المهلب أخربت داره على رأسه وضربت عنقه بالسيف ، ولم يستثن من ذلك حتى الكهول والمرضى . وبالطبع فقد عمل بذلك عدد من المستبدين من قبل الحجاج وبعده . فالإمام عليه السلام يشير إلى سهولة اللجوء إلى هذا الأسلوب ، إلّاأنّه لا يليق بشأنه وعلو منزلته ، وانّه لا يفعل ذلك لأنّه يفسد دينه . وهنا يطرح هذا السؤال : أوليس الدفاع عن الحكومة الإسلامية وقتال أعدائها واجباً ؟ فلم لا يحمل الناس قهراً على القتال ؟ والجواب على هذا السؤال يتضح من خلال ذكر هذه المسألة ، وهى أنّ أصل هذا العمل صحيح ، وللحكومة الإسلامية أن تلجا إلى القوة في مثل هذه الحالة ، إلّاأنّ هذا الأمر يستلزم عدّة تبعات قد تكون في نهاية الأمر مخالفة لأحكام الشرع ، ونموذج ذلك واضح في قضية الحجاج الذي كان يضرب بالسيف البري والمذنب على حد سواء . أضف إلى ذلك فانّ هذا العمل قد يستبطن بعض ردود الفعل السلبية من البعض واساءتها لفهم القوانين الإسلامية ، وذلك لعدم قبول هذا العمل من قبل الجميع ، ولعل بعض الضغوط تدعو البعض إلى الردة والتمرد على أحكام الدين والقرآن .
هامش
( 1 ) « أوَد » من ماة « أود » على وزن قول بمعنى العوج . و « اوَد » على وزن سند ، ويطلق على الاعوجاج ب « الاوَد » .
( 2 ) الغارات 1 / 42 .