وأخلاقه . أمّا البعض فقد تصوروا أنّ موازين يوم القيامة كموازين الدنيا ، إلّاأنّها أدق ، فاضطروا للاعتقاد بوزن الأعمال المعنوية ، إلّاأنّ الأمر ليس كذلك ، فميزان كل شئ بمايناسبه .
فاليوم تستعمل كلمة الميزان ليقال ميزان الهواء وميزان الحرارة ، والحال ليس هنالك مثل هذا الميزان . بل تستعمل الميزان بكثرة في الأعمال المعنوية ولايراد بها هذا الميزان . والحق أنّ عالم الآخرة آخر واسع يتجاوز حدود هذا العالم بحيث يتعذر علينا تصور ابعاده وحدوده وجزئياته وان كان لنا علم إجمالي به . وقد أوصى الإمام عليه السلام بزنة الأعمال قبل وزنها هناك ومحاسبتها قبل الحساب ؛ الأمر الذي أكده سائر المعصومين عليهم السلام . فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال :
« ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فان عمل خيرا استزاد اللّه منه ، وحمداللّه عليه ، وإن عمل شرا استغفراللّه وتاب عليه » « 1 »
. وجاء في الحديث أنّ رسولاللَّه صلى الله عليه وآله قال لأبيذر :
« يا أبا ذر ! حاسب نفسك قبل ان تحاسب ، فإنه أهون لحسابك غدا ، وزن نفسك قبل أن توزن » « 2 »
. كما قال صلى الله عليه وآله لأبي ذر :
« يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه ، فيعلم من أين مطعمه ، ومن أين مشربه ، ومن أين ملسبه ، أمن حل ذلك ، أم من حرام » . « 3 »
2 - الواعظ الباطني
إن النتيجة المطلوبة تتطلب أمرين ؛ الموضع المناسب والتربية الصحيحة ، وبعبارة أخرى :
قابلية القابل وفاعلية الفاعل . فالفلاح مهما كان ماهراً والماء مهما كان وافراً ، والبذر مهما كان صالحاً ، لايجني أي ثمر إذا كانت الأرض الزراعية مالحة غير صالحة للزراعة ، وذلك لأنّ افتقار الموضع لقابليته يبدد جميع الجهود . ويصدق هذا الأمر على تربية النفوس البشرية ، فما لم يكن للإنسان واعظ من نفسه ونزوعا نحو الحق والانصاف لم تؤثر فيه أقوى المواعظ من الخارج .
ومن هنا شرب أبو جهل وأبو لهب الصدى وهما يجلسان على ساحل منبع الوحي الفياض ، بينما ارتوى أمثال أويس القرني من ذلك المنبع رغم البعد الشاسع عنه . وبالطبع لا يفهم الجبر من هذا الكلام ، لأنّ الواعظ الباطني يتبلور أيضاً عن طريق تهذيب النفس وتزكيتها ، فشعلته
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة 1 / ح 3845 ( مادة حساب ) .
( 2 ) المصدر السابق ، ح 3841 .
( 3 ) بحارالأنوار 74 / 86 .