القسم الأول : العالم على أعتاب الدعوة
« أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، واعْتِزامٍ مِنَ الْفِتَنِ ، وانْتِشارٍ مِنَ الْأُمُورِ ، وتَلَظٍّ تلظى مِنَ الْحُرُوبِ ، والدُّنْيا كاسِفَةُ النُّورِ ، ظاهِرَةُ الْغُرُورِ ، عَلَى حِينِ اصْفِرارٍ مِنْ وَرَقِها ، وإِياسٍ مِنْ ثَمَرِها ، اغْوِرارٍ مِنْ مائِها ، قَدْ دَرَسَتْ مَنارُ الْهُدَى ، وظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى ، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِها ، عابِسَةٌ فِي وَجْهِ طالِبِها ، ثَمَرُها الْفِتْنَةُ ، وطَعامُها الْجِيفَةُ ، شِعارُها الْخَوْفُ ، ودِثارُها السَّيْفُ » .
الشرح والتفسير
إن الهدف الغائي للإمام عليه السلام من هذه الخطبة هو إيقاظ الناس من سبات الغفلة والغررو ، فقد إصطحبهم إلى عصر الجاهلية واستعرض لهم التأريخ ، كيف كان الناس ، والنقلة النوعية الكبرى التي أحدثتها نهضة النبي صلى الله عليه وآله ، ثم حذر من عودة أوضاع الجاهلية ، مؤكدا أنّه وعلى غرار النبي صلى الله عليه وآله ثار من أجل إجتثاث جذور الجاهلية بما تنطوي عليه من أفكار وأوهام ، ليعودوا إلى أنفسهم قبل فوات الآوان . فقد رسم صورة واضحة للجاهلية بعبارات قصيرة عظيمة المعنى في خمس عشرة . جملة بما يعجز الآخرون عن رسم مثل هذه الصورة . فقال عليه السلام
« أرسله على حين فترةٍ « 1 » من الرّسل » ،
وقيل إنّ هذه الفترة قد استغرقت خمسمائة سنة وقيل ستمئة سنة لم يبعث فيها نبي « 2 » ( وان كان أوصياؤهم بين الناس ) . ولذلك ساد الناس سبات
هامش
( 1 ) « فترة » تعني في الأصل الهدوء والسكنية ، كما تعني الضعف ، كما تطلق على الزمان بين حركتين أوحدثين ، ومن هنا يصطلح بالفترة على الزمان الفاصل بين ظهور الأنبياء .
( 2 ) ذكر البعض أن الفترة بين ولادة السيد المسيح عليه السلام هجرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله استغرقت 621 سنة و 195 يوماً ( تفسير أبو الفتوح الرازي 4 / 154 ، هوامش المرحوم العلّامة العشراني ) كما قيل أنّ النبي صلى الله عليه وآله ولد عام 570 م وبعث عام 610 م ( بينات خالدة 1 / 121 ) .