دون ما استقبلتم من عتبٍ « 1 » وما استدبرتم من خطبٍ معتبرٌ » .
وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أنّ يطيب خواطر صحبه ويرد على تساؤل قد تقتدح في أذهانهم بشأن انتصارات بنيأمية وانزعاجهم من ذلك ، في عدم الاستعجال ، فلن يدوم ظلم هؤلاء الظلمة ، وهنالك وقت معلوم للمهلة الإلهية فإذا جاءت حلّ عليهم العذاب . ولا تمتعظوا ممّا يحل بكم من خطوب ، فتلك سنة إلهية في البلاء والاختبار وتحمل الشدائد ومن ثم الفرج واليسر ، حتى في عهد انبثاق الدعوة اللاسلامية وفى الحروب والمعارك فلم يكتب اللَّه للمسلمين النصر في موقعة الأحزاب حتى زلزلوا زلزالًا شديداً ؛ الأمر الذي صوره القرآن بالقول : « وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ . . . هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً » « 2 » . أمّا قوم بنيإسرائيل فقد خاطبوا نبيّهم موسى عليه السلام حين اشتد عليهم الأذى
« أو ذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا »
فردّ عليهم موسى عليه السلام بالقول : « عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِك عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ » « 3 » .
ونخلص ممّا سبق ان هذه السنة الإلهية جارية على الامّة الإسلامية كما جرت على الأمم من قبلها ، ولم يستثن من ذلك أصحاب الإمام عليه السلام . نعم كل هذه الأمور دروس وعبر ، إلّاأنّها تنفع من كانت له عين باصرة وأذن سامعة وقلب واع !
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا :
« وما كلّ ذي قلبٍ بلبيبٍ ، ولا كلّ ذي سمعٍ بسميعٍ ، ولاكلّ ناظرٍ ببصيرٍ »
فتأريخ البشرية مفعم باللدروس العبر ، قصر عمرنا هو الآخر - لو تأملنا ذلك بدقة - ملئ بالحوادث المعبرة ، بل قد ملأت العبر أركان كل شئ في عالم الوجود ، إلّا أنّ المؤسف له أنه ينبغي أن يكون هنالك من يسمع ويبصر ويعي ويعتبر ، وما أقل هؤلاء ، ومن هنا يواصلون طريق الضلالة ويصابون بما أصاب من قبلهم من مصير أسود وعاقبة مريرة .
هامش
( 1 ) « عتب » على وزن حتم تعني الامتعاظ الباطني أريد به هنا عتب الزمان ، وعتب عليه إذا وجد عليه .
( 2 ) سورة الأحزاب / 10 - 11 .
( 3 ) سورة الأعراف / 129 .