التي كان من المفترض أن تقوده نحو الفوز بالآخرة ونيل سعادتها وفلاحها . وقال في العبارة الرابعة :
« والمغبوط من سلم له دينه »
. فالغبطة أن يتمنى الإنسان مالغيره من النعم ، وعليه فالمغبوط هو المستحق لتطلع النفوس إليه والرغبة في نيل مثل نعمته ، فان جد واجتهد الإنسان وتمكن من الحفاظ على دينه وإيمانه في ظل هذه الدنيا وتقلباتها فقد أحرز أعظم النعم الإلهية التي يجدر بالآخرين أن يغبطوه عليها . وعلى ضوء القاعدة الأدبية فان تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر ، فالعبارة تفيد أن الغبطة لا تكون سوى تجاه من حفظ دينه وإيمانه إزاء حوادث الدهر ومكاره الدنيا ، لاتجاه من ينال بعض المقامات ويجبي الأموال والثروات وسائر الإمكانات المادية الآيلة إلى الفناء والزوال . وقال في العبارة الخامسة :
« والسّعيد من وعظ بغيره » .
فمما لاشك فيه أنّ الحوادث المريرة والتجارب القاسية تعد وسيلة لليقظة ومصدرا لنصيحة الإنسان ووعظه ، ولكن ما أروع أن يستفيد من تجارب الآخرين ويتعظ بمصيرهم دون أن يرتكب بعض الأخطاء التي قد تلهمه بعض التجربة ، فكأني بهذا الفرد كذلك المنزل الذي جاور حديقة غناء وكان يعمل فيها الآخرين بينما يصله نسيمها ورائحتها الزاكية . ولما كان مصير الأفراد في حياتهم متشابه في الغالب ، وبعبارة أخرى
« التأريخ يعيد نفسه »
فلكل فرد أن يرى جانبا من مصيره في حياة الآخرين . وبناءاً على هذا فليس هنالك من يستثنى من هذه العبارة ولا يعتبر بحياة الآخرين . هذا وقد ذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أن العبارة
« والسّعيد من وعظ بغيره »
تعد مثلًا من الأمثال المعروفة في الأدب العربي « 1 » . بينما عدها ابن أبيالحديد من الأمثال النبوية . « 2 » ثم اختتم الخطبة بما يقابل العبارة السابقة قائلًا :
« والشّقيّ من انخدع لهواه وغروره »
. واضح أنّ الإنسان يلام إذا خدع من قبل الآخرين ، إلّاأنّه يكون أكثر ملامة إذا انخدع بهوى نفسه ، وذلك لأنّه أحرق سعادته بنفسه .
هامش
( 1 ) شرح نهجالبلاغة لابن ميثم 2 / 285 .
( 2 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد 6 / 365 ، المرحوم العلّامة المجلسي في بحارالأنوار 21 / 211 حيثأوردها في تأريخ النبي صلى الله عليه وآله في باب حوادث غزوة تبوك ضمن خطبة صلى الله عليه وآله .