مقارفة الذنوب والمعاصي . ثم قال عليه السلام :
« وانتفعوا بالذّكر والمواعظ »
والفارق بين هذه التحذيرات الأربع : ففي التحذير الأول يلفت الإمام عليه السلام انتباه الجميع إلى الحوادث التأريخية الماضية والحاضرة التي تنطوي على الدروس والعبر ليتعظ بها ، وفى التحذير الثاني أشار إلى دلالته سبحانه في عالم الوجود أو الآيات القرآنية التي توقظ الضمير . وفي التحذير الثالث تطرق إلى نذر أولياء اللَّه . وأخيراً تعرض في التحذير الرابع إلى نصائح أولياء اللَّه ومواعظهم ، وهى التحذيرات الكافية لآثارة حيطة وحذر من كان له أدنى استعداد للتقبل . ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن مرارة لحظات الموت ومعالجة سكراته فقال :
« فكأن قد علقتكم « 1 » مخالب « 2 » المنيّة ، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة ، ودهمتكم « 3 » مفظعات « 4 » الأمور ، والسّياقة إلى الورد المورود ، ف « كلّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ » : سائقٌ يسوقها إلى محشرها ؛ وشاهدٌ يشهد عليها بعملها »
. لما كان الموت قد كتب على الجميع ولم يعنى زمانه ، بحيث يفاجئ الإنسان ، فانّ الإمام عليه السلام يتحدث عنه كأمر قد وقع ، فيصرح كأنّي قد رأيتكم في مخالب الموت وقد أحاطت بكم سكراته وقد قطعت كل أمانيكم وذهبت أدراج الرياح كأنّها ضرب من ضروب الخيال والأحلام ، وكأنّكم انتقلتم من هذه الدنيا إلى الآخرة ، يقود كما المكان إلى المحشر . وقد ورد عن الإمام شبيه هذا المعنى في الخطبة 204
« تجهزوا رحمكم اللّه ! فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلوا العرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد ، فان أمامكم عقبة كؤودا ، ومنازل مخوفة مهولة ، لابد من الورود عليها ، والوقوف عندها » .
والعبارة
« والسياقة إلى الورود المورود »
إشارة إلى الآية 98 من سورة هود : « يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ
هامش
( 1 ) « علقتكم » من مادة « علق » على وزن فلق تعني في الأصل الرابطة الشديدة والتعلق بالشئ ، كما تستعمل هذهالمفردة في الحيوان المفترس الذي يمسك فريسته بأسنانه ويمتص دمائها ، أو أن يفترسها بمخالبه . وقد شبهت العبارة الموت بهذا الحيوان .
( 2 ) « مخالب » جمع « مخلب » على وزن محور ومادته « خلب » .
( 3 ) « دهمتكم » من مادة « دهم » على وزن فهم بمعنى الغشاوة ، وتستعمل هذه المفردة حين غلبة شئ على آخروإحاطته به ، هذا هو المراد بها في العبارة ، كما تستعمل في الظلمة التي تحيط بالأشياء ، كما تطلق على الأخضر الفاتح ، من قبيل مدهامتان التي وردت في سورة الرحمن .
( 4 ) « مفظعات » من مادة « فظع » على وزن جزع بمعنى الإخافة ومفظعات الأمر شدته ، وتطلق على الحوادث العظيمة التي تخيف الإنسان .