العبارة هو أن الذات الإلهية ليست مركبة من أجزاء لافي الخارج ولا في الذهن ، لأنّه لو كان متركبا من أجزاء لاحتاج إليها ، والحال أنّه غني بالذات ، والمحتاج ممكن الوجود ، لاواجب الوجود . ثم قال عليه السلام في الصفة السابعة والثامنة :
« ولا تحيط به الْأبصار والقلوب »
أمّا قوله عليه السلام لاتحيطه الابصار ، فواضح ، لأنّ الإنسان يرى بعينه الألوان والضوء ومن ثم الأجسام ، ولما كان اللون من خواص الجسم ، وللجسم زمان ومكان وأجزاء ، فالنتيجة أنّه محتاج وممكن الوجود ، واللَّه أعظم وأجل شأناً من ذلك وان ذهب بعض علماء العامة استناداً إلى بعض الروايات - المخدوشة السند أو الدلالة - إلى رؤية اللَّه سبحانه يوم القيامة ، الأمر الذي يعتبر من الشرك ؛ لأنّ ذلك يستلزم كون اللَّه جسما له زمان ومكان وجهة ولون ، أمّا نحن وعلى ضوء تعاليم أئمتنا عليه السلام نعتقد بأنّ الرؤية محالة على اللَّه سبحانه ، لافي هذا العالم ولا في عالم الآخرة ! والأدلة العقلية التي أشارت إلى جانب من ذلك في الخطبة إنّما تثبت هذه الحقيقة ، وليس للاستثناء من سبيل إلى الأدلة العقلية . « 1 » أمّا عدم إحاطة العقول بذاته المطهرة فلكونها غير محدودة ، وليس للعقل المحدود قدرة إدراك غير المحدود ، ولذلك قلنا سابقاً إن علمنا بذاته وصفاته سبحانه إجمالي لاتفصيلي . والذي يجدر ذكره هو أنّ الإمام عليه السلام عبر بعدم الإحاطة بشأن نفي الرؤية بواسطة العين وكذلك الرؤية العقلية ، والذي يمثل في الواقع الدليل على المطلوب ، لأنّ الإحاطة بالشئ من لوازم الرؤية أو المشاهدة العقلية ، وكيف يحاط وجود مطلق لامتناهي .
وهنا يقتدح هذا السؤال وهو أنّ الإمام عليه السلام قال :
« لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان » « 2 »
أفلا يناقض هذا الكلام ما ورد في الخطبة ؟ والجواب على هذا السؤال أنّ المراد من عدم إحاطة العقل بذاته هو نفي إدراك كنه الذات ، وبعبارة أخرى : العلم التفصيلي ؛ أمّا ما ورد في الخطبة 179 من رؤية اللَّه من قبل القلوب يشير إلى العلم الإجمالي . فقد ورد عن الإمام الجواد عليه السلام أنّه قال :
« أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولاتدركها ببصرك ، فأوهام القلوب لا تدركه ، فكيف أبصار العيون » « 3 »
. على كل حال فان ما أورده الإمام عليه السلام من
هامش
( 1 ) راجع بهذا الشأن ( نفي رؤية اللَّه ) المجلد الأول من هذا الكتاب ، وكتاب رسالة القرآن 4 / 232 - 251 .
( 2 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 179 .
( 3 ) ميزان الحكمة 3 / 1893 ، ح 12316 .