تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
تنزهه عن الشبه ؛ لأنّه وجود لامتناهي ، ومثل هذا الوجود أزلي ، والوجود الأزلي قبل كل شئ وبعد كل شئ ، فلو كان قبله شئ لانتفت أزليته . ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة : « والْآخر لا غاية له » كما أشرنا آنفا فانّ هذه نتيجة لعدم تناهيه ، وبعبارة أخرى انتفاء نظيره . ومن الواضح أنّ الصفة الثانية والثالثة ثبوتية : فأوليته في الأزل ، وآخريته في الأبدّ . وقال عليه السلام في الصفة الرابعة : « لا تقع الْأوْهام « 1 » له على صفةٍ » فنحن نعلم أنّ عقلنا محدود لا يسعه إدراك سوى المحدودات ، وعليه فليس للوهم أن يحيط بذاته المقدسة وصفاته المطلقة التي هي عين ذاته ، وبعبارة أخرى فانّ علمنا بصفاته إنما هو من قبيل العلم الإجمالي ، وإلّا فالعلم التفصيلي بذاته وصفاته متعذر على مخلوقاته . ويتضح مما ذكر أنّ الأوهام هنا بمعنى الأفكار ، غير أنّ الفكر حين يعجز يعبر عنه بالوهم . ثم أشار الإمام عليه السلام في الصفة الخامسة والسادسة إلى نفي الكيفية والكمية عن الذات الإلهية المقدسة قائلًا : « ولا تعقد القلوب منه على كيفيّةٍ ، ولا تناله التّجزئة التّبعيض » والكيفية عبارة عن الشكل والهيئة التي تتخذها الأشياء ، سواء كانت هذه الهيئة قابلة للرؤية أو السماع أو اللمس . وبالطبع فانّ الكيفية إنّما ترتبط بالأمور التي تكون أوصافها زائدة على ذاتها ، أمّا من كانت صفاته عين ذاته ، وكانت ذاته خالية من التعدد فليس للكيفية من سبيل إلى ذاته ، بعبارة أخرى فان الكيفيات ناشئة من المحدوديات والذات الإلهية اللا محدودة لا كيفية لها . كما أنّ الاشتمال على الجزء والبعض من خواص الأجسام ، ومن هنا فالكمية من عوارض الجسم ، ولما كان اللَّه سبحانه منزه عن الجسمية ، لم تجز عليه التجزئة والتبعيض ، وليس للكمية من سبيل إلى ذاته المقدسة . بعبارة أخرى : إنّما تطلق الكمية حيث الزيادة والنقصان ، وعليه فليس للَّه من كمية حيث ليس هنالك من زيادة أونقصان في وجوده المطلق اللامتناهي . على ضوء ما مر معنا فان التجزئة والتبعيض لفظان متراد فان يفيدان معنى واحد ، ألا أنّ بعض شرّاح نهج‌البلاغة احتملوا أنّ التجزئة إشارة إلى الأجزاء العقلية ( كالجنس والفصل المنطقيين ) والتبعيض إشارة إلى الأجزاء الخارجية . عى كل حال فمفهوم
هامش
( 1 ) « أوهام » جمع « وهم » على وزن فهم تعني لغويا ما يخطر على القلب ، وقد وردت في الخطبة بمعنى إجالةالفكر التي لاتبلغ كنه الذات الإلهية المقدسة وصفاته سبحانه ، وبعبارة أخرى لاتبلغ كنه ذاته حتى ذروة حركة العقل التي عبر عنها هنا بالوهم .