ما دهاك ؟ فأخبرته ، فقال : نعم إن في عيني بياضاً لاسوء ، فخفضي عليك . فهذا من مزاح رسولاللَّه صلى الله عليه وآله . وأتت عجوز من الأنصار إليه صلى الله عليه وآله ، فسألته أن يدعوا اللَّه تعالى لها بالجنّة ، فقال :
« إن الجنّة لاتدخلها العجز » « 1 »
فصاحت ، فتبسم صلى الله عليه وآله وقال : « إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً » « 2 » وهكذا سائر الروايات . . .
وفي نفس الوقت وردت الروايات التي ذمت المزاح ، ومن ذلك ما روي عن علي عليه السلام أنّه قال :
« المزاح يورث الضغائن » « 3 »
وقال :
« لكل شئ بذر وبذر العداوة المزاح » « 4 »
وجاء في الخبر أنّ المزاح يحد من العقل ويذهب بالهيبة وهو العدو الأصغر « 5 » . وقال رسولاللَّه صلى الله عليه وآله :
« لا يبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب » « 6 »
. ومن الواضح أن ليس هنالك من تضاد بين هاتين الطائفتين من الروايات ، لأنّ الطائفة الأولى تحدثت عن أصل المزاح ، بينما تحدثت الطائفة الثانية عن الإفراط وتجاوز الحد في المزاح . أو بعبارة أخرى : الطائفة الأولى ناظرة إلى المزاح الموزون الذي لا يستند إلى أي غرض ومرض وحقد وضغينة ، أمّا الطائفة الثانية فهي ناظرة إلى المزاح الباطل ، والشاهد على ذلك ما جاء في الخبر عن رسولاللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« إني أمزح ولا أقول إلا حقا » « 7 »
. والشاهد الآخر أغلب الروايات التي صرحت بذم كثرة المزاح . فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال :
« كثرة المزاح تذهب البهاء وتوجب الشحناء » « 8 »
. كما عبرت بعض الروايات عن ذلك بالإفراط في المزاح . ويتضح مما أوردنا من الروايات - ولا سيما تلك التي وردت عن علي عليه السلام - أنّ الإمام عليه السلام كان يمزح أحياناً بالحق ؛ الأمر الذي يجعله فضيلة من فضائله وأنّه كان كريم الخلق بشر الوجه ، إلّا أنّ العدو كان يندفع بكل همجية وضغينة ليشوه حتى هذه الصفات الحميدة فيه ، بهدف
هامش
( 1 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد 6 / 330 .
( 2 ) سورة الواقعة / 35 - 36 .
( 3 ) تحف العقول / 86 .
( 4 ) ميزان الحكمة / 4 ، ح 18869 .
( 5 ) ميزان الحكمة 4 / باب ذم المزاح .
( 6 ) ميزان الحكمة 4 / ح 18877 .
( 7 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد 6 / 320 .
( 8 ) غرر الحكم .