تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
مصدر سعادة الإنسان وتوفيقه وفلاحه ، حيث أنّ ليلة من ليال العمر التي بات فيها أمير المؤمنين عليه السلام - والتي تعرف بليلة المبيت - على فراش رسول‌اللَّه صلى الله عليه وآله ليفديه بنفسه وينجو من مؤامرة الكفار فأصابه عليه السلام ما أصابه من الفضل ببركة تلك الليلة . وأما ضربته لعمر بن عبد ود العامري في الخندق والتي كانت أفضل من عبادة الثقلين ، فلم تكن سوى سويعة من عمر الإمام عليه السلام . وأما شهداء الغاضرية الذين صنعوا أكبر ملحمة عرفها التأريخ البشري ليصبحوا كعبة للثوار وطلاب الحق فلم تكن سوى نهاراً من عمرهم المبارك . نعم فنعمة العمر من أعظم نعم اللَّه على الإنسان . وقد اقتضى لطف اللَّه وحكمته أن يخفى مدة هذا العمر عن الإنسان ، لما ينطوي العلم به من مفاسد فقد قال الإمام الصادق عليه السلام : « فالإنسان لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه ، بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر ، على أنّ الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال لأن من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك ، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس ، وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل على أنّه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب لا يرضاه اللّه من عباده ولا يقبله ومن هنا حجب الإنسان عن معرفة العمر ليعيش دائما بين الخوف والرجاء . « 1 » ونخلص من هذا إلى أنّ ساعات العمر وأيامه نعمة ، وهكذا حجب مقداره عن الإنسان نعمة أخرى . وأمّا النعمة الثانية : وتتمثل بالاعتبار بالأمم الماضية وما عليه الكبار ، وما بقي من القصور والقبور والآثار ، فهي نعمة إلهية كبرى ؛ وذلك لأنّ النظر بعين العبرة لهذه الآثار يزود الإنسان بالتجربة وكأنه عمرعمرا مديداً ليكون مع تلك الأمم والأقوام وقد تجرع حلاوة الحياة ومرارتها . فتأريخ الأمم الماضية مادة للدروس والعبر ، وللإنسان أن يحدد مصيره على ضوء
هامش
( 1 ) بحارالأنوار 3 / 83 ( بتصرف ) .