مثل هذا الاختيار في الخلق والموت . فلا أحد يعين تأريخ ولادته ، ولا أحد يختار زمان موته الطبيعي برغبته ، فالحياة والموت خارجة عن دائرة إرادتنا إلى جانب تعفن البدن وصيرورته تراباً ، وهذا ما حدا بالبعض لتفسير عبارة الأمر بين الأمرين بهذا المعنى . على كل حال فانّ مسيرة الحياة والموت جارية علينا على حنوء الإرادة الإلهية والقوانين المرسومة شئنا أم أبينا ؛ الواقع الذي تقود الغفلة عنه إلى جهل الإنسان بنفسه وبخالقه ، بينما يمده الالتفات إليه بعناصر العلم والمعرفة والتأهب . ثم تطرق الإمام عليه السلام في العبارات الثلاث اللاحقة إلى عملية بعث الناس الخلارجة هي الأخرى عن الإرادة البشرية فقال
« ومبعوثون أفراداً ، ومدينون جزاءً ، ومميزون حساباً »
لاشك أنّ كل فرد سيخرج من قبره وحيداً ، ولايتنافى هذا والتقسيم اللاحق للناس إلى طوائف تبعاً لعقائدهم وأعمالهم ، كما عبرت عن ذلك الخطبة في البحث الماضي بالرعيل ، ونعتها القرآن بالافواج . « 1 » ولعل العبارة
« مميزون حساباً »
إشارة لما ورد في الآية الكريمة : « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » « 2 » . نعم ليس هنالك من يحمل وزر غيره ويعاقب عليه ، ولكل حسابه على ضوء أفعاله ، وان كان الرضى بأعمال الآخرين والتقصير في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدى إلى نوع من الحساب المشترك . أمّا العبارات الخمس الأخيرة فقد أشار فيها الإمام عليه السلام - كما ذكرنا ذلك آنفا - إلى الفرص واتمام الحجة التي تتضمن أبعادا مختلفة ، فقال عليه السلام :
« قد أمهلوا في طلب المخرج ، وهُدوا سبيل المنهج ، وعمروا مهل المستعتب ، « 3 » وكشفت عنهم سدف « 4 » الريب ، وخلوا لمضمار الجياد ، « 5 » وروية الارتياد ، « 6 » وأناة « 7 » المقتبس المرتاد ، في مدّة الأجل ، ومضطرب المهل »
تضمنت هذه العبارات الأبعاد المختلفة لاتمام الحجة الإلهية وانّ الناس يمتلكون المهلة الكافية للفوز بالرضوان الإلهي أولًا ،
هامش
( 1 ) سورة النبأ / 18 .
( 2 ) سورة فاطر / 18 .
( 3 ) « مستعتب » من مادة « عتب » على وزن تبت بمعنى الرضى . وذهب بعض أرباب اللغة إلى أنّ أصل هذهالمفردة ( عتاب ) وإعتاب نفي ذلك والاستعتاب طلب نفي العتاب التي وردت بمعنى طلب الرضى .
( 4 ) « سدف » جمع « سدفة » على وزن غرفة بمعنى الظلمة .
( 5 ) « جياد » جمع « جواد » ، والجياد من الخيل كرامها .
( 6 ) « ارتياد » من مادة « رود » على وزن صوت ، طلب ما يراد .
( 7 ) « أناة » الهدوء والطمأنينة والوقار والحلم ، كما وردت بمعنى الانتظار .