فحركة الناس جماعية ووقوفهم في المحشر على شكل صفوف مختلفة ، أو أنّ الناس تفصل عن بعضها البعض البعض الآخر تبعاً لأعمالها بحيث يلتحق كل بنظيره فيكون مصيرهم واحدا ، أو أنّهم كانوا جماعة في قبورهم فينطلقون معاً للحساب . القرآن من جانبه قال بهذا الشأن : « يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً » « 1 » ولاشك أنّ سرعة حركتهم تكشف عن مدى خوفهم واضطرابهم من مصيرهم وتوقعهم لما يفجعهم من حوادث . والعبارة :
« ينفذهم البصر »
أي هم مع كثرتهم لا يخفى منهم أحد عن إدراك اللَّه سبحانه وتعالى ، وهم مع هذه الكثرة أيضاً لا يبقى منهم أحد إلّاإذا دعا داعي الموت سمع دعاءه . ثم انتقل عليه السلام إلى صورة أخرى من صور الخلائق في يوم الحشر فقال عليه السلام :
« عليهم لبوس الاستكانة ، وضرع « 2 » الاستسلام والذلة ، قد ظلت الحيل ، وانقطع الأمل ، وهوت الأفئدة كاظمة ، وخشعت الأصوات مهيمنة ، « 3 » وألجم العرق ، وعظم الشفق » . « 4 »
لا تبدو ظهور مثل هذه الحالات حين يغلق باب الرجعة ويحكم اللَّه بين الخلائق وتخضع كافة الأعمال بصغيرها وكبيرها إلى الحساب العسير ويعرف الجزاء ويتجسم العقاب الذي ينتظر أهل الذنوب والمعاصي . وقد تضمن القرآن الكريم هذه الأوصاف ، بل ما ورد في الخطبة إنّما إقتبسه الإمام عليه السلام من القرآن . فقد قال القرآن في موضع : « مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ » « 5 » وقال في موضع آخر : « يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلّا هَمْساً » « 6 » . العبارة
« ألجم العرق »
تعبيررائع عن ذروة بلاء أهل المحشر ، فالخوف والاضطراب من جانب ، وحرارة المحشر من جانب آخر ، وتدافع الناس وشدة الزحام والارهاق بحيث يغطي العرق أبدانهم حتى إنّ فمهم ليمتلأ عرقاً إذا ما فتحو شفاهم .
هامش
( 1 ) سورة النبأ / 18 .
( 2 ) « ضرع » على وزن طمع الضعف والخضوع والذل .
( 3 ) « مهيمنة » من مادة « هيمنة » متخافية ، الصوت الخفي .
( 4 ) « شفق » تعني في الأصل اختلاط ضياء النهار بظلمة الليل ، كما تطلق على خصوص الخوف وبهذا المعنى وردت في العبارة .
( 5 ) سورة إبراهيم / 43 .
( 6 ) سورة طه / 108 .