بصيرة ، في حين قصر النظر على ماديات الدنيا يحرمنا من البصيرة بالآخرة بما فيها معرفة اللَّه ونيل القرب منه . وذهب البعض إلى أنّ المقصود بالعبارة
« أبصر بها »
هو النظر إلى عيوب الدنيا وتقلباتها والدروس العبر التي تنطوي عليها ، ويقيناً أنّ مثل هذه النظرة مدعاة للبصيرة والفطنة ، أمّا المراد بالعبارة
« أبصر إليها »
التطلع إلى زخارف الدنيا ومظاهرها الخادعة التي تعمي عين الإنسان . وبالطبع لامانع من الجمع بين المعاني الثلاث في المفهوم الجامع لهاتين العبارتين . ويالها من عبارتين رائعتين عظيمتي المعنى ، وكفى بهما عبرة في النجاة من الدنيا والسير نحو الآخرة ، فالسلام والصلاة على أميرَالمؤمنين عليه السلام الذي رام تهذيب النفوس وسموها بهاتين العبارتين القصيرتين . وهناك كلمات المعصومين عليهم السلام التي تصور هذا المعنى أيضاً ، ومن ذلك أنّ اللَّه أوحى إلى داود عليه السلام :
« يا داود احذر القلوب المعلقة بشهوات الدنيا فانّ عقولها محجوبة عني » « 1 »
. كما ورد عن أميرَالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال :
« لحب الدنيا صمت الاسماع عن سماعة الحكمة وعميت القلوب عن نور البصيرة » . « 2 »
قال المرحوم السيد الرضي ( ره ) آخر الخطبة :
« وإذا تأمل التأمل قوله عليه السلام
« ومن أبصر بها بصرته »
وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ، ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره ، لا سيما إذا قرن اليه قوله
« ومن أبصر إليها أعمته »
فانّه يجد الفرق بين
« ابصر بها » و « أبصر إليها »
واضحاً نيراً ، وعجيباً باهراً ، صلوات اللَّه وسلامه عليه » .
تأمّلان
1 - كيفية الحساب في الآخرة
تعدّ مسألة الحساب في يوم القيامة الذي تعرضت له الخطبة من المسائل القطعية في
هامش
( 1 ) بحارالأنوار 14 / 39 .
( 2 ) غرر الحكم ، ح 7363 .