ثم أورد عليه السلام صفتين للدنيا من شأن الالتفات إليهما إبعاد الإنسان عن الحرص والطمع والسكون إلى الدنيا
« ومن ساعاها فاتته ، « 1 » ومن قعد عنها واتته « 2 » » .
إشارة إلى الأعم الأغلب من الأفراد الذي يجرون نحو الدنيا ولا يبلغونها ، بينما كثيرهم الذين يهجرون الدنيا فتأتيهم صاغرة . ولعل المطالعات التأريخية والوقائع تؤيد هذا الأمر في أن الجري خلف الدنيا لايفضي إلى الغنى ، والانصراف عنها لا يؤدي إلى الفقر . ومن الطبيعي ألا يكون المراد بالدنيا هنا المعيشة المشرفة والخالية من الحاجة إلى الآخرين ، بل يراد بها الدنيا المذمومة المشوبة بالجنون . على كل حال فالعبارة تهدف إطفاء نيران الحرص على الدنيا والذوبان فيها . وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام كلامه في وصف الدنيا بصفتين أصابت أغلب مفسرّي نهجالبلاغة ولا سيما المرحوم السيد الرضي ( ره ) جامع النهج بالدهشة والذهول ليعيشوا نشوة السكر بهذا الشراب الطهور ، فقد قال عليه السلام :
« من أبصر بها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته » .
فإذا تأمل المتأمل هذا القول وجد تحته من المعنى العجيب ، والغرض البعيد ، ما لا يبلغ غايته ولا يدرك غوره ؛ أي أنّ الإنسان إذا جعل الدنيا وسيلة لنيل الكمال وأداة للوصول إلى الآخرة وجسرا للسمو والرفعة والتكامل فستطرح عنه كافة الحجب ويرى حقائق الكون كما هي ، أمّا ذاك الذي يتعامل مع الدنيا كهدف لا وسيلة فانّ ذلك سيكون حجاباً ضخماً مضروباً على عينيه يحول دون رؤيته لأقرب الأشياء فضلًا عن الحقائق ، وأبعد من ذلك سيغرق في مادياتها ولا يرى لغيرها من وجود . والواقع هذا هو الفارق بين أهل الآخرة وأهل الدنيا ، فهؤلاء يرون الدنيا مقدمة للآخرة وأولئك يرون الدنيا غايتهم وهدفهم . فالدنيا كالشمس إن نظرت بها أبصرت وإن نظرت إليها عميت . كما أورد تفسير آخر لهذه العبارة وهو أنّ المراد بقوله :
« من أبصر بها بصرته »
أنّ النظر إلى الدنيا بكل ما تشتمل عليه من الآيات الربانية إنّما يزيدنا
هامش
( 1 ) « ساعي » من مادة « سعى » تعني في الأصل الجري ومنه السعي بمعنى الجهد وكأنّ الإنسان يجري نحو الشئ وقد وردت في العبارة بشأن من يجري خلف الدنيا وكأنه يتسابق مع الآخرين ، كما يمكن أن تكون إشارة إلى أولئك الذين يلهثون وراء الدنيا ، والدنيا تهرب منهم . أما بعض أرباب اللغة فقد فسروا هذه المفردة بمعنى دعوة الإماء إلى الأعمال المنافية للعفة . وعليه فالعبارة الواردة في الخطبة تشبه الدنيا بالأمة التي يلهث وراءها أهل الدنيا .
( 2 ) « واتته » من مادة « مؤاتاة » بمعنى طاوعته واستجابت له .