يكتنفها من مشاكل وصعاب . القرآن من جانبه أشار إلى هذه الحقيقة فقال : « لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ » « 1 » وكأن العناء والمشقة هي الكهف الذي يلجأ إليه الإنسان . وبالطبع لايستثنى من هذا التعب والمشقة حتى أولئك الذين يعيشون الحياة المرفهة ولكل مشاقة ومعاناته . أجل طبيعة الدنيا تتمثل بالألم والعناء ويخطئ من ظن فيها غير ذلك ، ولعلنا نلمس هذه الحقيقة في الشعر الذي أنشده الشاعر المعروف أبو الحسن التهامي إثر موت ولده في شبابه حيث قال :
طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيّام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار
هذا بشأن عناء الدنيا ، أمّا فناؤها فليس بخاف على أحد ، فالفناء قد كتب فيها على جميع الأفراد المؤمن والكافر والصغير والكبير ، فهذا يموت مبكراً وذاك يموت متأخراً ، ولا يستثنى من قانون الموت أحد . ثم قال عليه السلام :
« في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب »
إشارة إلى أنّ الإنسان إنّما يتحمل حتى في الآخرة تبعات هذه الدنيا ، فهو إمّا عمل فيها بالحلال أو الحرام .
فانّ عمل بالحلال حوسب عليه يوم القيامة ، وإن عمل بالحرام عوقب عليه يوم الجزاء . ومن هنا ورد في الحديث النبوي الشريف :
« يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام » « 2 »
أمّا كيفية الحساب وما يحاسب عليه الإنسان ومن يرد الجنّة دون حساب ، فهي أمور نستعرضها إن شاءاللَّه في بحث التأملات . ثم قال عليه السلام :
« من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن »
نعم هذه هي طبيعة الدنيا وانطوائها على سبيلين كلاهما يؤدي إلى المشقة . فإن كان فقيراً عاش في الدنيا مهموماً مغموماً ، وإن كان غنياً مرفهاً عاش فيها مشاكل أخرى ؛ وأقل ذلك همه في حفظ هذه الثروة وسعيه لصيانتها ، ناهيك عن سهام الحسد والطمع والبغض التي تصوب إليه ، وفوق كل ذلك ما يتعرض له من امتحانات إلهية . فالبخل والحرص والطمع من جانب والآفات والبلاء والأخطار من جانب آخر ، بل لعل هذا الثراء والغنى يصده عن ذكراللَّه ولا يدع له من مجال للخروج من التفكير فيه ، وعليه ستغيب لديه المثل والقيم ولا يرى
هامش
( 1 ) سورة البلد / 4 .
( 2 ) بحارالأنوار 69 / 48 .