سبحانه وتعالى . ثم أزال الإمام عليه السلام الإبهام الذي قد يتسرب إلى عقول هؤلاء الأفراد باستمرار هذه الحالة القلقة فقال
« ولكن قد وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلّامخدوعاً أو عاصياً »
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام عين مدة بغية الحفاظ على مصالح المسلمين وعدم فوات الآوان ومرور الفرصة ، فقد كان يعلم أنّ معاوية قد يماطل في الوقت ويشغل جرير ، وأقصى ذلك هو الأهبة والاستعداد للقتال ، ثم يرد بالسلب على دعوة الإمام عليه السلام بالبيعة في الوقت الذي تسلب الفرصة والمبادرة من الإمام عليه السلام وصحبه . إما لماذا حصر الإمام عليه السلام بقاء جرير عند معاوية باحتمالين ؛ الخداع أو العصيان ، بينما يمكن أن تكون عرضت له بعض الوقائع من قبيل المرض وما شاكل ذلك ، وذلك لأنّ سائر الاحتمالات تبدو ضعيفة لا يكترث بها إزاء هذين الاحتمالين ، أو على حد تعبير علماء الأصول أنّ الأصل في مثل هذه الأمور السلامة ، فلا ينبغي ترتيب الأثر على سائر الاحتمالات . ثم حاول تهدأة خواطر صحبه والتسكين من روعهم فقال
« والرأي عندي مع الأناة « 1 » فأرودوا « 2 » » .
من جانب آخر فانّ الإمام عليه السلام بغية عدم غفلة أصحابه في ظل تلك الظروف الحساسة المصيرية ، وضرورة الابقاء على عزمهم الشديد والراسخ في مجابهة العدو وعدم إطفاء جذوة الحماس للقتال فقال عليه السلام :
« ولا أكره لكم الإعداد » ؛
أي أني لا أعلن حالة التأهب فهذا الأمر يتعارض والصلح والسلام . وفى نفس الوقت لا أحول دون وظيفتكم في التعبئة الطواعية ، والحق أنّ هذا لأعظم وأنجع أسلوب منطقي وعقلائي في مثل تلك الظروف العصيبة ؟ أي لا تغلق أبواب السلام ، ولا يعيش الجميع حالة الانفعال والغضب ، ولا ينبغي أن تقع بعض الأعمال التي تفرزها طبيعة النفاق ، وأخيراً لا ينبغي فوات الفرص دون جدوى !
الهدف من الدعوة إلى الصلح والبيعة
إن الإمام عليه السلام وخلافاً لما يعتقده البعض لم يقاتل معاوية ، إلّاحين أتم الحجة عليه من كافة الجهات ، بحيث لم يكن يلجأ إلى القتال إلّاحين يكون السبيل الأخير الذي أغلقت جميع السبل
هامش
( 1 ) « أناة » بمعين التثبت والتأني والصبر .
( 2 ) « أرودوا » من مادة « رود » على وزن فوت بمعنى طلب الشئ بالرفق والمداراة ، ومنه الإرادة .