القسم الثاني
« وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذا الْأَمْرِ وَعَيْنَهُ ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ ، فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلَّا الْقِتالَ أَوِ الْكُفْرَ بِما جاءَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله . إِنَّهُ قَدْ كانَ عَلَى الْأُمَّةِ والٍ أَحْدَثَ أَحْداثاً ، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقالًا ، فَقالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا » .
الشرح والتفسير
يقابل هذا القسم من الخطبة القسم المذكور تماما ، أو بعبارة أخرى يمثل المرحلة الثانية من مراحل المجابهة . فقد كان الإمام عليه السلام يؤكد في القسم المذكور على ضرورة ضبط النفس واجتناب القتال ، واللجوء إلى منطق السلام والصبر والتحمل . بينما يتحدث هذا القسم بصورة قاطعة حادة عن القتال واللجوء إلى القوة ؛ ولا غرو فقد أغلقت جميع السبل والأساليب ، وثبت بالضرس القاطع أنّ معاوية لا يستسيغ أي منطق واستدلال ، ولا يفهم سوى تحقيق مطامعه في الحكومة التي يضحي من أجلها بالغالي والنفيس . ومن الطبيعي ألا يكون هنالك من سبيل لمواجهة هذا الشخص سوى الاستسلام وتفويض المقدّرات الإسلامية إليه ، أو شهر السلاح بوجهه وقتاله . ومن هنا قال الإمام عليه السلام :
« ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه ، وقلبت ظهره وبطنه ، فلم أر لي إلّاالقتال أو الكفر بما جاء محمد صلى الله عليه وآله » . العبارة « ضربت أنف هذا الأمر وعينه »
مثل تقوله العرب في الاستقصاء في البحث والتأمل والفكر . والعبارة
« وقلبت ظهره وبطنه »
هي الأخرى كناية عن دراسة كافة جوانب الموضوع : لأنّ الإنسان إذا أراد أن يشترى بضاعة قلب ظهرها وبطنها ليتعرف على كافة مميزاتها . أما قوله عليه السلام
« فلم أر لي إلّا القتال أو الكفر بماء جاء محمد صلى الله عليه وآله »
فذلك لأنّ الإمام عليه السلام إذا سكت وترك الامّة لحالها لقاد ذلك إلى انحراف الناس عن الإسلام واستتباب الحكومة الجاهلية الأموية والسفيانية وإحياء