كيف لا وهو اليوم الذي تطرح فيه الحجب وتبلى فيه السرائر وتتمثل الأعمال التي صدرت من الإنسان طيلة عمره فتنتظر الحساب والجزاء .
ويرى بعض شرّاح نهج البلاغة « 1 » أنّ المرجع في العبارة المذكورة بمعنى القبر والمحشر القيامة ، ولكن بالاستناد إلى التعبيرات القرآنية فان المفردتين وردتا بمعنى واحد ، وعليه فيبدو الفارق في عدم تكرار اللفظ لا المعنى .
والواقع أنّ هذه التعبيرات قد اقتبست من الآية القرآنية الشريفة « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصار » . « 2 »
ثم تطرق عليه السلام إلى مصير هذا الصنف في المجتمعات التي تسودها الأصناف الأربعة ، بحيث لا ينجو كل فرد فيه من خمس : النزوح من البلد والتشريد والتغريب ، الخوف واللواذ في زاوية ، السكوت والصمت ، الاشتباك بفعل عدم إعارتهم الاذان الصاغية وسماع كلماتهم الحق أو الدعوة إلى اللَّه باخلاص بعيون باكية وقلوب حرى أملا في التأثير
« فهم بين شريد « 3 » ناد « 4 » وخائف مقموع « 5 » وساكت مكعوم « 6 » وداع مخلص وثكلان « 7 » موجع » .
وبالالتفات إلى « شريد » وناد من مادة فد بمعنى المنفرد الهارب من الجماعة إلى الوحدة « 8 » فانّ العبارات المذكورة إشارة إلى أنّ هؤلاء الأفراد ليسوا مع بعضهم حتى في المنفى ، وكل واحد منهم قد قذف في بقعة ؛ فالطغاة يخشون حتى اجتماعهم في المهجر والعبارة « خائف مقموع » إشارة إلى أنّ الطغاة لايكتفون بتهديد هؤلاء الأفراد وإرعابهم ، بل لا يتورعون عن التضييق
هامش
( 1 ) في ظلال نهج البلاغة ، الخطبة المذكورة .
( 2 ) سورة النور / 37 .
( 3 ) « شريد » من مادة « شرد » بمعنى هروب الناقة ، ثم أطلقت على كل من يهرب من قومه .
( 4 ) « ناد » من مادة « ند » بمعنى المنفرد الهارب من الجماعة إلى الوحدة .
( 5 ) « مقموع » من مادة « قمع » بمعنى المقهور والمغلوب ، وتعني الاقتلاع أيضاً .
( 6 ) « مكعوم » من مادة « كعم » ، كعم البعير بمعنى شد فاه ، ثم اتسعت لتطلق على كل فم يشد .
( 7 ) « ثكلان » من مادة « ثكل » بمعنى فقد الأحبة ، كما وردت بالنسبة للإنسان الذي يعيش العزاء بمعنى الشخص الباكي الحزين .
( 8 ) شرح نهج البلاغة محمد عبده والعلامة الخوئي وابن أبي الحديد .