فالواقع أنّ كلام الإمام عليه السلام تحذير لكافة علماء في ممارسة مسؤوليتهم في تشكيل الحكومة وبسط العدل والقسط في ربوع المجتمع وعدم السكوت والتخاذل في حالة توفر هذه الأسباب .
ويخطىء كل أولئك الذين يرون وظيفتهم إنّما تقتصر على إقامة الشعائر العبادية كالصوم والصلاة والحج والزكاة إلى جانب الإتيان بالمستحبات . فبسط العدل والقسط والدفاع عن المظلوم والقيام بوجه الظالم تعدّ من جوهر الوظائف الإسلامية لهؤلاء العلماء .
ثم يقول عليه السلام :
« ولا لفيتم « 1 » ديناكم هذه أزهد عندي من عفطة « 2 » عنز » .
وبالالتفات إلى ما ورد في صحاح اللغة من أن العفطة تعني الماء الذي يترشح من أنف الشاة ( أو العنز حين العطسة ) تتضح مدى تفاهة الدنيا - التي تحظى بفائق الأهمية لدى أهلها - عند علي عليه السلام ، فما قيمة العنز فضلا عن ماء أنفها والحق ان مثل هذه التعبيرات قد تبدو غريبة بالنسبة لُاولئك الذين لا يعرفون شخصية علي عليه السلام ؛ إلّاأنّ هذه الغرابة ربّما تزول بأدنى نظرة إلى سيرته عليه السلام وحياته التي عاشها .
قال السيد الرضي ( ره ) في ذيل الخطبة .
« قالوا وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه هذا الموضع من خطبته فناوله كتاباً - قيل أنّ فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها - فاقبل ينظر فيه ( فلما فرغ من قرائته ) قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين لو أطردت خطبتك من حيث أفضيت .
فقال : « هيهات يا بن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت » قال ابن عباس فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث يريد » .
أمّا التعبير بأهل السواد فهو إشارة إلى المناطق الغنية بالزرع والأشجار التي تبدو من بعيد سوداء ، لأنّ اللون الأخضر يتركز من بعيد ليميل إلى السواد ، ولما كان هل الحجاز ألفوا الأرض اليابسة الخالية التي يصصطلح عليها بالبياض فانّهم إذا ما انطلقوا نحو العراق المخضر بفضل
هامش
( 1 ) « ألفيتم » من مادة « الفاء » ، بمعنى وجدتم ورأيتم .
( 2 ) عفطة العنز : ما تنثره من أنفها ، وأكثر ما يستعمل ذلك في النعمة وإن كان الأشهر في الاستعمال بالنون « النقطة » .