الوجه الثاني : الروايات الناهيّة عن العمل بالمتشابهات ، كرواية إسماعيل بن جابر ، عن الصادق عليه السلام أنّه قال :
« إنّما هلك الناس في المتشابه ؛ لأنّه لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته ، فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم ، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء ونبذوا قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وراء ظهورهم » « 1 » .
والجواب عنه واضح ؛ لأنّ المتشابه هو ما يتشابه بعضه بعضاً ، أي ما يشابه فيه أحد احتمالين احتمالًا آخر ، ويوجب الحيرة فيصير مجملًا ومبهماً ، وإلّا ما لم يكن فيه تشابه بين الاحتمالين بل كان أحدهما ظاهراً والآخر مخالفاً للظاهر لا يكون متشابهاً حتّى يكون مصداقاً لهذه الروايات .
والشاهد على ذلك ما ورد في نفس هذه الرواية من قوله عليه السلام :
« لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم »
وهذا لا يكون صادقاً في العمل بالظواهر والمطلقات والعمومات ؛ لأنّ المعنى فيها مفهوم واضح .
هذا مضافاً إلى ذيل آية المحكم والمتشابه من قوله تعالى :
« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ » « 2 »
حيث لا يخفى أنّ العمل بالظواهر لا يكون فيه ابتغاء الفتنة ، بل الفتنة تنشأ من ناحية اتّباع الذين في قلوبهمالمرض بعض الاحتمالات من دون دليل عليه ، وهذا صادق في ما ليس له ظهور أو ما يخالف ظاهر اللفظ .
الوجه الثالث : أنّ ظواهر الكتاب وإن لم تكن بذاتها داخلًا في المتشابه ، لكنّه مندرج فيه بالعرض ، فلا يجوز العمل بها ، وذلك لأجل العلم الإجمالي بطروّ التخصيص والتقييد والتجوّز في الكتاب ، ومع هذا العلم الإجمالي كيف يمكن الأخذ بظواهره ؟
ويناقش فيه : بأنّ العلم الإجمالي يمنع عن التمسّك بالظواهر قبل الفحص لا بعده ،
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 13 ، ح 62
( 2 ) . سورة آل عمران ، الآية 7