الناسخ إنّما هو الجزء الثاني أي المنع من الترك ، وأمّا الجزء الأوّل وهو طلب الفعل واستحبابه فهو باقٍ على حاله « 1 » .
وفيه : أنّ الوجوب ليس أمراً مركّباً بل أنّ حقيقته أمر بسيط ، والتعبير بتركيبه من طلب الفعل والمنع عن الترك تعبير تسامحي ، فإنّ الوجوب عبارة عن البعث الشديد إلى الفعل ، بخلاف الاستحباب الذي عبارة عن البعث الخفيف .
وأمّا الإباحة فهي إرسال تشريعي وترخيص إنشائي اعتباري من جانب الشارع نظير الترخيص التكويني فيما إذا فتحت باب دارك مثلًا ورفعت الموانع عن الدخول فيها ، فكما أنّ الإباحة التكوينية عبارة عن رفع المانع وإطلاق السراح والترخيص كذلك الإباحة الإنشائيّة التشريعيّة .
وهكذا الأمر في الحرمة الّتي هي الزجر الشديد عن الفعل في قبال الكراهة الّتي حقيقتها هي الزجر الخفيف عن الفعل .
وعليه فالأحكام التكليفية متباينات في نظر العرف وإرتكازهم ، حتّى مع قطع النظر عن بيان الشرع .
وأمّا الدليل من الخارج فلا يتصوّر في البين إلّااستصحاب كلّي الجواز ، وهو فيما نحن فيه يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي - نظير ما إذا كان كلّي الإنسان موجوداً في الدار مثلًا ضمن وجود زيد وبعد خروجه عن الدار نشكّ في بقاء كلّي الإنسان بدخول عمرو - وقد ثبت في محلّه عدم حجّيته ، إلّاإذا كان الفرد الزائل والفرد المحتمل وجوده من مراتب شيء واحد في نظر العرف كالسواد الشديد والسواد الخفيف ، حيث إنّهما وإن كانا متباينين بالدقّة العقليّة إلّاأنّهما عند العرف يعدّان من المراتب الوجودية لشيء واحد ، فيستصحب كلّي السواد إذا علمنا بزوال الفرد الشديد واحتملنا بقاء الفرد الخفيف .
ولكنّه لا ينفع فيما نحن فيه ؛ حيث إنّ الأحكام الخمسة متباينات عند العرف ،
هامش
( 1 ) . مبادي الوصول ، ص 108