وما ذكرنا من أنّ قضيّة التعارض هو التساقط إنّما هو بملاحظة القاعدة الأوّليّة ، فيعمل به ما لم يدلّ دليل خاصّ على خلافه ، كما في الخبرين المتعارضين ، فإنّ الإجماع والأخبار العلاجيّة قائمان على عدم سقوطهما بل لابدّ من العمل بأحدهما إمّا تعييناً أو تخييراً ، نعم إنّها باقية على حالها في غير الخبرين سواء في الشبهة الحكميّة كما في الإجماعين المحصّلين أو في الشبهة الموضوعيّة كما في البيّنتين .
عدم دلالة المتعارضين على نفي الثالث
ثمّ إنّه بناءً على تساقط الخبرين المتعارضين هل تبقى دلالتهما الالتزاميّة على نفي الثالث على حالها ، أو أنّها أيضاً تسقط ؟ فإذا قامت بيّنة على أنّ هذه الدار لزيد مثلًا وبيّنة أخرى على أنّها لعمرو فهل يثبت بهما عدم كونها لبكر ، أو لا ؟ وهكذا في الشبهات الحكميّة ، فإذا قام الخبر على كون نصاب المعدن عشرين ديناراً ودلّ خبر آخر على أنّه دينار واحد فهل يبقى مدلولهما الالتزامي ، فتكون النتيجة عدم وجوب الخمس في الأقلّ من دينار ، أو أنّه أيضاً يسقط ؟ فيه قولان :
أحدهما : عدم سقوط الدلالة بالنسبة إلى نفي الثالث وهو المشهور .
ثانيهما : سقوط المتعارضين حتّى من هذه الجهة .
وقد استدلّ للقول الأوّل بأنّ الخبرين المتعارضين يشتركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزاميّة فيكونان معاً حجّة في عدم الثالث ، وتوهّم أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة وبعد سقوط المتعارضين في المدلول المطابقي لا مجال لبقاء الدلالة الالتزاميّة لهما في نفي الثالث فاسد ، فإنّ الدلالة الالتزاميّة إنّما تكون فرع الدلالة المطابقيّة في الوجود لا في الحجّية « 1 » .
ولكن يمكن المناقشة فيه ، أوّلًا : أنّ هذا صحيح في مقام الثبوت لا في مقام
هامش
( 1 ) . فوائد الأصول ، ج 4 ، ص 755 - 756