فإنّ الفرد المثابر والمتحمل يرفع يديه على الدوام وبصورة منتظمة إلى المستوى المطلوب فتتضح درجة تحمله ليعلم مثلًا أن هذا الفرد يصلح للأعمال الرتيبة والمتعبة التي تتطلب تحملًا كبيراً .
وهكذا توجد أجهزة أخرى تختبر الدقّة وسرعة الإيعازات السمعية والبصرية ، والاستعداد للقيام بأعمال معينة ومدى الحب والرغبة بالعمل وما إلى ذلك .
من جانبي لما رأيت هذه الأجهزة فكرت مع نفسي أنّ جميع الأشياء في عصرنا الراهن قد اتخذت صبغة حسية ، ولعله يأتي اليوم الذي يقاس فيه مدى نفرتنا من الشخص الفلاني أو الشيء الفلاني ومقدار الكبر والحسد والبغض لدى هذا وذاك ، بنفس الدقّة التي يسجل فيها المحرار درجات الحرارة .
ولعل الأعم الأغلب سمع عن جهاز معرفة الكذب حيث تشير عقاربه على الشاشة الخاصة لصدق كلام الإنسان من كذبه ، والجهاز المذكور ليس من قبيل الأجهزة السحرية والمشبوهة المعقدة كما يظن البعض ذلك ، وأساسه هو تأثير الصدق والكذب في الإيعازات العصبية ومن ثم في الدورة الدموية وضغط الدم ونبض القلب .
لكن ورغم كل ذلك فهناك حقيقة لا يمكن انكارها ، وهي عدم جدوى الحس مالم يخضع لسلطة العقل ؛ حيث يمكن الإشارة إلى فلسفة هذه السلطة على صعيد ( الإصلاح والتجريد والتعميم والعلية والتقنين ) وإليك تفصيل كل واحد منها :
أمّا « الإصلاح » فكما قلنا إنّ حواسنا ترتكب مئات الأخطاء ،
سر الوجود — صفحة 97
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٧