ولدينا عدّة أبحاث في كتب علوم النفس بشأن أخطاء الحواس ، وهنا نتساءل : من هذا الذي يقف ويرصد أخطاء الحس ؟
لا شك إنّه سلطة العقل والنتائج التي يحصل عليها من خلال مقارنة الحوادث ، مثلًا يحكم العقل والمنطق باستحالة اجتماع الضدين في آن واحد ومحل واحد ، وعليه فالماء لا يمكن أن يكون في لحظة واحدة حاراً وبارداً .
فإن كانت يدنا اليمنى سابقاً في ماء حار واليسرى في ماء بارد ، وغمرناهما في ماء شبه حار فإن أخبرتنا اليد اليمنى ببرودته واليسرى بحرارته فهما كاذبتان ، لأنّ الماء الواحد يستحيل أن يتصف بحالتين متضادتين في آن واحد ، ويعزى هذا الخطأ إلى حاستنا اللامسة التي تأثرت بالحالة السابقة ،
وهنا يتضح دور العقل والذهن في إصلاح أخطاء الحواس .
وأمّا بشأن « التجريد والتعميم والتقنين » فدور العقل أوضح .
فقد تقذف زجاجة نافذة باب غرفتنا بحجر فتكسر ، فهذه حادثة حين يراها الإنسان لأول مرّة في حياته لا يمكنه أن يقف على قانون كلي وأساسي لهذه الحادثة ، فلعل كسر الزجاجة كان بسبب ذات الزجاجة أو ذلك الحجر أو ذلك المكان أو تلك اللحظة وما إلى ذلك .
مرّة أخرى يقذف حجر آخر على زجاجة في مكان وزمان آخر فتكسر ، فالحسّ من جانبه وكالمرة الأولى يدرك الحادثة ، حيث نسمع بأذننا صوت تكسر الزجاجة ، ونرى بعيننا تساقط قطعاتها على الأرض ، أمّا من حيث الحس فإنّ أي منهما ليس بقانون ، بل حادثتان ،
سر الوجود — صفحة 98
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٨