كلا ! ليس الأمر كذلك ، فلسنا نفخر بأن تكون حياتنا على غرار ما عليه المجانين أو الحيوانات أو قطع الحجر الخالية من الروح ، وليس سعادتنا بعدم الشعور بالمعاناة والأذى ، بل بالعكس لابدّ أن نتحلى بالشعور والإدراك وإن كبدنا هذا الشعور بعض الشدائد والصعاب ، فلولا الشعور والفكر والإدراك لتحجر الإنسان وأخذ يراوح في مكانه ولعاش حالة الذل والهوان على الدوام .
الواقع أنّ جميع الشدائد التي تصيب الإنسان هي وليدة الهروب العابث من التفكير في الواقعيات وإدراكها ، فعملية خاطئة واحدة لا تستند إلى التفكير قد تؤدّي إلى تحطيم الدنيا برمتها ، فاليوم تصرف تقريباً نصف ثروة العالم ويهدر ما يعادلها من الطاقات الإنسانية للبشرية التي تعيش على الأرض في هذا المجال أي في كيفية القضاء بصورة أسرع على نسل البشرية ! ففي عالمنا المعاصر ليس فقط نصف هذه الطاقات الإنسانية بصورة جنود وصنّاع سلاح وخبراء حروب ومشرفين لوجستيين ومخترعين ومنتجين للصناعات الجبارة المدمرة فحسب ، بل النصف الآخر بدوره قد سخره ليدفع به نحو الموت والعدم ، والأمر أشبه بمن يشتري بنصف مرتبه مواد سامة يدخرها للقضاء عليه ، أو يهبها لمن فوقه ليقتله .
والحق لو عاشت الإنسانية التفكير لما أصبحت الدنيا بهذا الشكل ، من المسلم به أنّ التفكير لا يقود إلى الجريمة والقتل أبداً ، بل مجانبة
سر الوجود — صفحة 76
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٧٦