ورغم أنّ خلاياه أكثر لطافة من أوراق الأزهار ، إلّاأنّها أكثر دواماً من الحديد والفولاذ ، فهي تصلح نفسها على الدوام ، كما تختلف مع كافة المكائن ذات الحركة الرتيبة حيث تعرف بالتجدد والسير نحو التكامل ، والعجيب أنّ هذا الجهاز لا يفقد حيويته وقدرته حتى في حالة ضعف سائر القوى البدنية واتجاهها نحو العجز والتآكل ، طبعاً بشريطة قيامه بوظيفته وعدم تعطيله .
أوليس هذا ما نراه بوضوح لدى العلماء والمفكرين وزعماء السياسة والاقتصاد الذين يتمتعون حتى آخر لحظات عمرهم بقدراتهم العلمية والفكرية ( باستثناء بعض الحالات ) ، والأمر وإن دلّ على الخصوصية العجيبة للدماغ ، فإنّه يشير كذلك إلى استقلال الروح حيث تبقى قوية مفعمة بالعلم والقدرة رغم تآكل كافة أجهزة البدن وانحطاط قدرتها وطاقتها .
غالباً ما نسمع أنّ الشخص الفلاني قد أصيب للأسف بسكتة دماغية ، بحيث يفقد حياته إن كانت سكتة تامة ، أمّا إن كانت جزئية فإنّما تتوقف بعض أعضائه عن الحركة ، حيث يشل أحياناً نصف الجسم ، وأحياناً أخرى اللسان وبعض أجزاء الوجه ، وأخيراً العين والاذن التي تجعل الإنسان في حالة يرثى لها ، أحد الأصدقاء ، كان يقول : كل شيء كامله حسن ، إلّاالسكتة فناقصها أفضل من كاملها !
سر الوجود — صفحة 114
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١٤