أسرار يقول كل ما أودع وقيل له قل ، والجهاز وإن فاق الإنسان كسائر المكائن والآلات في سرعة العمل ، إلّاأنّه ورغم هذه القدرة الظاهرية والخلابة ليس له أدنى قدرة على الإبداع والابتكار ، فهو ليس إلّا حافظة ، وعلى العكس من دماغ الإنسان الذي يسعه بيان عالم من الإبداع بما يتناسب والحوادث التي تقع .
وهنا اتّضح أنّ هذه الأعجوبة الصناعية ومهما كانت سعتها فهي محدودة بما يودع فيها . . . لا أكثر من ذلك ، والحال دماغ الإنسان ليس بمحدود وله القدرة على التفكير بالأسئلة المستجدة غير المطروحة والإجابة عليها .
فلو فرض أن اجتمع كافة علماء وخبراء العالم واتفقوا ، بدلًا من التنافس الخاطىء والتسابق من أجل إنتاج وصنع الأسلحة الفتاكة ، على صنع عقل ألكتروني بحجم مدينة كبيرة ، بل بقدر جبل عظيم وجعلوا له أشرطه حفظ كثيرة بحيث لا تسعها أعظم مخازن ومستودعات العالم ، وتغذى بكافة المسائل العلمية ، فإذا برزت أيّة مشكلة في المباحث الأدبية والطبية والصناعية والفلسفية والرياضية والاقتصادية و . . . توجهوا بالسؤال لأعجوبة الدهر هذه فيحصلوا على الجواب المناسب بأقصى سرعة ، كما يقوم آلاف المهندسين بالاشراف على ذلك الجهاز وصيانته .
والسؤال المطروح : هل سيكون لهذا الدماغ العظيم والضخم الألكتروني وبجميع هذه المفردات قيمة دماغ الإنسان الذي لايزن أكثر من كيلو غرام ونصف ؟ لابدّ من القول صراحة : لا ، كلا ، أبداً ! . . .
سر الوجود — صفحة 106
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٠٦