وذلك لأنّ قدرته ونشاطه محدود بما أودع به من حافظات ، وهو عاجز إزاء المسائل الجديدة غير المتكهن بها ، ليس له من إبداع أبداً ، وعمله ملزم بالتعلق بالماضي ، لا بالمستقبل حيث تبقى مثل هذه المسائل مستعصية عليه ، والحال لا يعرف دماغ الإنسان من معنى للماضي والحاضر والمستقبل ، وما يستجد بعد آلاف السنين ، فله أن يفكر في كل المسائل ويجيب عليها حسب قدرته .
كانت مشاهدة ذلك العقل الألكتروني تمثل بالنسبة لي درساً عظيماً في التوحيد ، الدرس الذي لم أسمعه قبل ذلك أبداً ، حيث فتحت لي هذه المشاهدة نافذة على عالم ما وراء الطبيعة ، كما بعثت شعاعاً جديداً من الإيمان في قلبي ، فكرت مع نفسي لو قال أحدهم :
لقد صنع ذلك الجهاز الألكتروني الجبار بتلك العتلة الكاشفة للأخطاء وسرعة العمل الهائلة الفريدة ، وتلك المثابرة والمطالعة الدقيقة من قبل عامل أمي ليس له أيّة معلومات فنية أو من قبيل الصدفة ، فهل كان هناك من يصدق هذا الكلام ؟ ألا يضحك الجميع عليه بسبب هذا الزعم الأجوف ، بل لو زعمت الدنيا برمتها ذلك لما وسعني إلّاالقول بأنّها على ضلال ، وأنا مستعد لنعتهم بالمجانين ، بدليل أنّهم يقولون ما لا ينبغي أن يتفوه به عاقل !
فهل والحال كذلك أستطيع التصديق بأنّ دماغ الإنسان الذي لا يزن أكثر من كيلو ونصف ، وهو ما عليه من الإبداع والنشاط الذي لا
سر الوجود — صفحة 107
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٠٧