غصّ عليها يا غواص ما يقول أبو الحسن ، فما علمتك الاّ مفرّجاً للغمّ .
فالتفت عليّ ( عليه السلام ) إلى كعب فقال :
« غلط أصحابك وحرّفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ، يا كعب ويحك
انّ الصخرة الّتي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الّذي
ذكرت لا يجوز أقطاره ، ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكانت
لهما قدمته ، وعز الله وجلّ أن يقال له مكان يؤمى إليه ، والله ليس كما يقول
الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ولكن كان ولا مكان بحيث لا تبلغه
الأذهان ، وقولي « كان » محدث كونه ، وهو ممّا علّم من البيان ، يقول الله
( خلق الإنسان علّمه البيان ) ( 1 ) فقولي له : « كان » ممّا علّمني من البيان
لأنطق بحجّة عظمة المنان ، ولم يزل ربّنا مقتدرا على ما يشاء محيطاً بكل
الأشياء ، ثمّ كوّن ما أراد بلا فكرة حادثة أصاب ولا شبهة دخلت عليه
فيما أراد ، وأنّه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شيء ثم خلق منه
ظلمة وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شيء كما خلق النور من غير
شيء ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع
سماوات وسبع أرضين ، ثمّ زجر الياقوتة فماعت ( 2 ) لهيبته فصارت ماءاً
مرتعدا ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله
على الماء وللعرش عشرة آلاف لسان يسبّح الله كل لسان منها بعشرة
آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الاُخرى ، وكان العرش على الماء ومن دونه
حجب الضباب ( 3 ) وذلك قوله ( وكان عرشه على الماء ليبلوكم ) ( 4 ) ،
هامش
( 1 ) الرحمن : 3 - 4 .
( 2 ) أي : سالت وذابت .
( 3 ) الضباب - كسحاب - جمع ضبابة وهو ندىً يغشى الأرض بالغدوات .
الضبابة : سحابة تغشى الأرض كالدخان .
( 4 ) هود : 7 .