المراد من تلاوة الصحف المطهرة في الآية هي التلاوة حفظاً ، وتلاوة الصحيفة والذي يصطلح عليه ب « تلاوة الكتاب » تستعمل بكلا المعنيين - كتابة وحفظاً - في العرف واللغة .
وبناءً على هذا فلفظ « التلاوة » ليس دليلًا على القراءة والكتابة ، ومن ذلك أننا نقول لمن يقرأ حفظاً لبعض أشعار المتنبي أنّه قرأ بضع أبيات من القصيدة الفلانية ، كما نقول قرأ فلان البيان الذي أصدرته المؤسسة الدينية بمناسبة كذا وكذا ، والحال لم يقرأه من خلال كتابة وكان يحفظه حفظاً . والآية المذكورة على غرار سائر الآيات النازلة بشأن النبي والتي تصفه بأنّه « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ . . . » « 1 » وتتضح هذه الحقيقة سيما بالإلتفات إلى سيرة النبي الذي كان ديدنه تلاوة القرآن حفظاً .
5 - ذكر الكاتب المذكور طائفة من الروايات والنصوص التاريخية تحت عنوان ( النبي معلم ) في أنّ النبي صلى الله عليه وآله ساند العلم والمعرفة والكتابة ؛ على سبيل المثال أوجب طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة ، حتى فضل طلاب العلم على المستغرقين في العبادات المندوبة ، فبنى المراكز التعليمية « الصفة » التي كان يتعلم فيها المسلمون ، وطلب من أسرى معركة بدر اطلاق سراحهم مقابل تعليم كل أسير منهم لعشرة من المسلمين .
ثم خلص بعد ذلك إلى هذه النتيجة : هل هناك من يعتقد أنّ ذاك الزعيم الذي يعيش كل هذا الحرص على العلم والتعليم أن يحرم نفسه من معطيات القراءة والكتابة ؟ !
الجواب : كل ما نقله الكاتب المحترم من الشواهد التاريخية والمصادر الإسلامية صحيح ، لكنها لا تثبت مدّعاه ( في أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يقرأ ويكتب قبل وبعد البعثة ) ؛ ذلك أن هنالك عدّة طرق وأساليب ليست خافية على أحد في مساندة الإسلام للعلم والمعرفة .
والبحث هل استغل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قبل وبعد البعثة تلك القدرة ليمارس القراءة والكتابة خلافاً لما صرحت به الآية 48 من سورة العنكبوت ؟ وهل كان أسلوب تعليم النبي على غرار المعلمين المعاصرين الذين يدرسون من خلال الكتاب ؟ أم كان أسلوبه التعليمي على ضوء تلاوة الآيات القرآنية وتعليم الحلال والحرام وإفاضة التعاليم الإسلامية واسداء النصح والإرشاد ؟ للوقوف على المزيد بشأن ( أمّية ) النبي صلى الله عليه وآله يمكن الرجوع إلى كتاب ( بين يدي مدرسة الوحي ) الذي يخوض بالتفصيل في هذه القضية .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 164 .