وتعلم كل هذه الدروس والمعارف في مدرسة النبوة ولم يتتلمذ قط على يد معلم ويأخذ عنه العلم ؛ ذلك لأنّ النبوة ليست نبوغاً فردياً واجتماعياً يمكن الحصول عليه عن طريق التعليم والتعلم ، بل هي هبة إلهيّة تمنح لمن يستحقها من العباد .
4 - والمسلمون على ضوء الإقرار بما ذكر يقولون : إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان أمّياً ، ويقصدون بالأمّي أنّه لم يتعلم ويتتلمذ ، لا أنّه لم يكن ذا علم ومعرفة ، ولعل الخطأ يكمن هنا ، لأنّ « عدم التتلمذ » لا يعني عدم كسب العلم ، فالأنبياء العظام لم يتعلموا لدى أحدٍ من البشر ، لكنّهم كانوا أعظم المعلمين في عالم الإنسان . فآدم عليه السلام لم يتعلم لدى أحد ، إلّاأنّ القرآن الكريم كان يصرّح بأنّه معلم الملائكة ( ورد تفصيل هذا الموضوع في الآيات 28 - 32 من سورة البقرة ) . فإن كان المراد من تعلم النبي سعة اطلاعه وكمال علمه عن طريق الوحي ، فهذا ما صدقه جميع المسلمين ، وإن كان المراد تتلمذه كالآخرين على يد أساتذة فإنّ الحياة العظيمة للنبي وصريح آيات القرآن ترفض ذلك تماماً .
5 - يعتقد المسلمون أنّ : النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يقرأ كتاباً قبل بعثته ولم يكتب صفحة ، وقد أشار القرآن إلى هذا الموضوع صراحة في الآية 48 من سورة العنكبوت : « وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ » وسيرد تفصيل هذا المطلب في الردّ على أدلة الكاتب .
هل كان النبي صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب بعد البعثة أم لا ؟ ليس هنالك من رأي قاطع مئة بالمئة بهذا الشأن ، والمشهور أنّه صلى الله عليه وآله كان عملياً لا يقرأ ولا يكتب ، وكان الآخرون هم الذين يتولون كتابة الكتب والرسائل التي كان ينشئها وهذا ما تؤيده الروايات الإسلامية . نعم يعتقد بعض الأعلام أنّ عدم قراءة النبي وكتابته ليست دليلًا على عدم قدرته على الكتابة والقراءة ، ذلك لأنّ القراءة والكتابة من الكمالات التي لا يستطيع أحد أن يزعم أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان فاقداً لذلك الكمال وإن لم يستعمله .
وقد صرّح العلّامة المجلسي رحمه الله في البحار في فصل « الحديبية » أنّه ليس هنالك من شك في قدرة النبي صلى الله عليه وآله على القراءة والكتابة ، فكيف لا يحيط علماً بهذه الحروف من له كل هذه
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 94
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٤