وبناءً على ما تقدم فإنّ المعنى الابتدائي للخاتم ليس ما يتختم به في اليد ، بل مفاده الأولي الوسيلة التي يختم بها الكتاب والوثيقة والسند ، وإن اطلق على الخاتم المعروف لأنّهم كانوا يستفيدون منه في عملين . وتنتشر اليوم العديد من الأختام في البلدان العربية التي تصنع من الفلزات والجلاتين والتي تستعمل في ختم الكتب والوثائق الرسمية .
وعلى هذا الأساس يتضح معنى « خاتم النبيين » ؛ لأنّ مفاد ذلك أنّ محمد صلى الله عليه وآله شخصية ختمت به أبواب النبوّة التي فتحت بوجه البشرية منذ زمان آدم حتى زمانه ، وقد انتهى هذا الفيض الإلهي إثر غنى المجتمع البشري عن نبي ودين جديد ، وكما يعلن بالختم انتهاء مضامين الكتاب ، فقد أعلن ببعث نبي الإسلام صلى الله عليه وآله انتهاء هذا الفيض واختتام هذه النبوّة الإلهية . وكأن وجوده بمثابة الختم الذي اختتم به هذا الباب وإلى الأبد .
التصرف المستهجن في معنى الخاتم :
يبدو من المضحك ما أوردته بعض الفرق الضالة بشأن « خاتم النبيين » حيث حاولت اغواء اتباعها في أنّ المراد من « خاتم » في الآية هو هذا الخاتم ، والهدف من تشبيه النبي بالخاتم بيان مكانته بين سائر الأنبياء ؛ فكما يكون الخاتم زينة لليد ، فإنّ نبي الإسلام كان زينة لسائر الأنبياء . ويبدو هذا التفسير على درجة من الضعف بحيث عمد زعيم هذا المسلك في بعض كتبه إلى تفسير الخاتم بمعناه الصحيح وهجر ذلك التأويل الشاذ « 1 » . طبعاً لا يحق لمفسّر القرآن أن يبتدع ما يشاء من معانٍ للمفردات القرآنية ، ويتحتم عليه مراعاة الاستعمالات اللغوية السائدة لدى العرب ؛ والحال لم ترد لفظة الخاتم في العربية بمعنى الزينة قط ، فلا يقال أبداً : إنّ فلان خاتم أخوته ، على أنّه زينتهم ، ولو كان الهدف كون النبي زينة الأنبياء لانبغى أن تكون الاستعمالات الشائعة من هذا القبيل ليقال إنّ نبي الإسلام
هامش
( 1 ) إشراقات ، ص 292 .