كلمات أئمّة الدين :
ما أوردناه في الأمثلة السابقة يمثل في الواقع توضيح بعض الأحاديث التي وردت عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام بشأن مسألة القضاء والقدر . فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله :
« إنّ خمساً لا يستجاب دعاؤهم ، أحدهم من جلس تحت جدار يوشك أن يقع فلا يهرب منه » « 1 » . ولعل سر عدم استجابة دعاء هذا الفرد واضحة ، ذلك لأنّ مصير من جلس تحت جدار أعوج ولم يهرب هو الموت ، لكنه استسلم باختياره لهذا المصير ، والحال كان له أن يختار مصيراً آخر .
وقد فرّ أمير المؤمنين عليه السلام من جدار كان يوشك على الأنهيار ، وحين أنكر البعض عليه ذلك برره بأنّه يفرّ من قضاء اللَّه إلى قدره « إنّ أمير المؤمنين عدل من عند حائط آخر فقيل له : ياأميرالمؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه ؟ فقال : أفر من قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه » « 2 » .
فأنا حرّ في اختيار ما شئت ، فإن بقيت تحت الجدار وإنهار ومت فذلك بحكم القضاء ، وإن فررت وبقيت سالماً فذلك بحكم القضاء أيضاً .
وحين سئل الإمام الرضا عليه السلام عن قضاء اللَّه بشأن الأفعال الحسنة والقبيحة لعباده ، رد عليه السلام : إنّ كل عمل من اعمالهم الحسنة والقبيحة بقضاء اللَّه . ثم فسّر عليه السلام ذلك القضاء الواسع - الذي يشمل جميع أعمال البشر بما فيها الحسن والقبيح - بالنتائج التي تنعكس على الإنسان في الدنيا والآخرة فقال : « الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة » « 3 » .
فهذه الأحاديث تكشف ما أشرنا إليه من حقيقة القضاء والقدر والتي تفيد عدم انفصال القضاء والقدر عن إرادة الإنسان واختياره ، بل القضاء هو تلك السنن الإلهيّة التي تحكم الوجود ، والإنسان مختار في ركوب أي منها ، فإنّ اختار كانت نتيجة الاختيار قضاء اللَّه ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 105 ، نقلًا عن خصال الصدوق .
( 2 ) توحيد الصدوق ، ص 369 .
( 3 ) عيون أخبار الرضا ، ص 78 ؛ وبحارالانوار ، ج 5 ، ص 12 .