العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال ؛ مثلًا إذا كانت هنالك دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحيث ينتشر بينهما حرس حدود كل منهما ويستفيدون من الأضواء الكاشفة والكلاب البوليسية وربّما تزرع كل منهما الألغام على أراضيها ، فإنّ أحداً من الناس لا يفكر في تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملياً على تجاوزها كونها تكلفه حياته ؛ وعليه فلدى الإنسان عصمة إزاء هذا العمل . وأقرب من ذلك مثلًا هنالك عصمة يتحلى بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساك بالسلك الكهربائي أو تناول الطعام المتبقي من شخص مريض مصاب بمرض الجذام أو السل ، سيما إن كان له علم بعدوى المرض ، فهو لا يقترب قط من هذه الأعمال ، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان يبدو محالًا عادياً ، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلك الأعمال ، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصيرته بحيث لا يفكر في القيام بهذه الأعمال ، فضلا عن ارتكابها .
وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذين لا يتحرجون من أكل مال اليتيم ، ولكن هنالك بالمقابل من يتحرز عن أكل دينار من الحرام ؛ فلم لا يحتفظ الأول عن أكل مال اليتيم بينما يأبى الثاني ما دون ذلك ؟ طبعاً سبب ذلك أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا يؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصيان ، أو حتى وإن امتلك الإيمان والاعتقاد ، فإنّ حبّه للماديات تحول إلى حجاب غليظ ضرب على بصيرته بحيث يحول دون رؤيته لتلك الآثار والتبعات ؛ أمّا الشخص الثاني فله إيمان راسخ بتبعات الذنب بحيث يرى كل قطعة من مال اليتيم جمرة من جهنم ، وليس هناك من عاقل يأكل نارا ؛ ذلك لأنّه يرى بعلمه الثاقب وبصيرته كيف تتبدل تلك الأموال إلى نيران محرقة ، وعلى هذا الضوء تكون له عصمة من ذلك الذنب . والقرآن يصف أولئك الذين يخزنون الذهب والفضة ولا يخرجون حقوقها الشرعية بأنّها تحمى بجهنم يوم القيامة لتسلط على وجوههم وجباههم وظهورهم « يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ » . « 1 »
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية 35 .