تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
كفيلًا بضمان وحدة المجتمع وتماسكه والحيلولة دون وقوع الاختلاف والتناقض الشديد في داخله ؛ لأنّ البشر في بدايات حياتهم البشريّة ، لم يكونوا يملكون من المعارف والتجارب في شؤون الحياة ووسائلها وطرقها ومجالات الاستمتاع فيها إلّا الشيء المحدود الذي لا يتجاوز الفطريّات وبعض المكتسبات البدائيّة ، الأمر الذي كان يجعل الإنسان يتغذّى من أعشاب الأرض ونباتها ، ويتسلّح بالأحجار والصخور ، ويلوذ بالكهوف والمغارات ، ويصطاد أنواعاً متعدّدة من الحيوانات . والمجتمعات الفطريّة التي لا تتجاوز هذه الحدود لا يظهر فيها اختلاف ؛ لبساطة آمالها ، وبدائيّة همومها ومفاهيمها ، ومحدوديّة وسائلها ومجالاتها . ولكنّ الإنسانيّة داخل الإطار الاجتماعي تنمو وتتكامل مداركها خلال التجربة التي تخوضها عبر الزمن ، ولذلك يصبح من المحتوم - بعد أن تستمرّ الإنسانيّة في حياتها الاجتماعيّة ، وتواصل تجاربها مع الكون - أن يتفتّح وعيها ، وتتّسع مجالاتها الحياتيّة ، وتنمو آمالها ، وتتعقّد آلامها ، وتتكاثر أمامها فرص الاستمتاع بالحياة . وحينما تصل البشريّة إلى ذلك ، تبدأ بذور الاختلاف والتناقض والصراع تنمو داخل الإطار الاجتماعي ، ويصبح الميل الفطري عند الإنسان الذي يدفعه إلى الاستعانة بأخيه الإنسان غير كاف وحده لضمان الاستقرار في الحياة الاجتماعيّة ، كما كان كافياً في بداية تكوّنها ، بل يصبح هذا الميل الفطري نفسه دافعاً إلى تمزيق الوحدة الاجتماعيّة ، وخلق الصراع في داخلها ؛ لأنّ الناس خلال اجتماعهم الفطري سوف يختلفون في تجاربهم وإدراكاتهم ويتفاوتون في مواهبهم وقواهم . وكلّ ذلك يجعل غريزة حبّ الذات تدفع الإنسان إلى صرف إمكاناته التي يمتاز بها على الأفراد الآخرين ، في سبيل مصالحه الخاصّة ، وفي النهاية تدفعه إلى استخدام الأفراد الآخرين لتحقيق تلك المصالح . ومن ناحية أخرى ، يؤدّي اتّساع فهم أفراد المجتمع للحياة ومجالات