تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
أكبر ممّا تملكه الحياة المنعزلة للإنسان الواحد . وهكذا استطاع الإنسان أن يتوصّل بإلهام فطري من غريزة حبّ الذات إلى إقامة العلاقات المتنوّعة ، ذات الأشكال المختلفة مع كلّ ما يعيش حوله من أجزاء الكون . غير أنّ هناك فرقاً جوهريّاً وجد منذ البدء بين نوع العلاقة التي أقامها الإنسان فطريّاً مع الأشياء ، ونوع العلاقة التي أقامها مع أخيه الإنسان . فإنّ العلاقة الأولى تمثّل الإيجابيّة من طرف واحد ، وتجعل الإنسان هو سيّد الموقف فيها بقدر ما تنمو خبرته بالكون وتتّسع مداركه وإمكاناته ، وأمّا العلاقة الثانية فهي بين إنسانين أو مجموعة من الناس ، ولكلّ إنسان مصالحه وحاجاته ، ومن وراء هذه المصالح والحاجات الدافع الأصيل الذي يتمثّل في غريزة حبّ الذات ، فالشعور بالانتفاع بالإنسان الآخر هنا شعور متبادل . وعلى هذا الأساس يتكوّن المجتمع ، ويندمج الأفراد في إطار واحد ، ويتمّ ضمن هذا الإطار تفاعل الأفراد والتعاون المشترك . وفي هذا الضوء نعرف أنّ تكوّن الحياة الاجتماعيّة نتيجة للميل الفطري عند الإنسان الذي يدفعه دائماً إلى استخدام كلّ ما يجد حوله لتحقيق الخير الشخصي . ومن الطبيعي أن نتصوّر - وفقاً للمفهوم القرآني للتاريخ - أنّ الحياة الاجتماعيّة في بدايات تكوّن المجتمعات البشريّة نشأت بسيطة خالية من التعقيد « 1 » ، وكان الدافع الذاتي الذي دفع بالإنسان نحوها كفيلًا بتوفير الدرجة المطلوبة لها من الاستقرار . كما كان مستوى التصوّر البشري للحاجات والمصالح
هامش
( 1 ) وهذا المفهوم القرآني للتاريخ معطى في قوله تعالى : « كَانَ النَّاسُ امَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ . . . » البقرة : 213