إنّ الإسلام رسالة فكريّة ودعوة إنسانيّة عامّة لا تعرف حدوداً إلّاحدود الفكرة التي تبشّر بها ، فالميزان هو الفكرة والأساس هو العقيدة .
وإذا راجعنا تاريخ الإسلام نتبيّن ذلك بوضوح من الدولة الإسلاميّة التي انبثقت عن هذا المبعث النبوي المقدّس ، فإنّها دولة فكريّة قائمة على أساس مفهومها عن الحياة الذي يتلخّص في انبثاق الحياة عن خالق حكيم وفي ضمان سعادتها بتنفيذ نظامه ونيل رضاه . وكلّ من آمن بهذا المفهوم - وإن كان جديد الإيمان - كان يعتبره الإسلام فرداً في الدولة وقد يسلّم له زمام قيادة وعهدة حكم ، إذا كانت الفكرة عميقة في قلبه وعقله مع الغضّ عن سائر الاعتبارات الأخرى .
وليس معنى ذلك أنّ غير المسلم كان مهاناً في الدولة الإسلاميّة وكانت كرامته وحقوقه عرضةً للخطر ، بل كان لغير المسلم القائم بواجبات المواطنة الإسلاميّة حقوقه وحرمته وكرامته وشأنه وحريّته في ممارسة أعماله الدينيّة والعقيديّة .
وقد بلغ حرص الإسلام على توفير الكرامة لغير المسلم من المواطنين وتطبيق العدالة التي لم تشهد الإنسانيّة لها نظيراً ، أنّ خليفة المسلمين وجد يوماً درعه عند مسيحيّ من عامّة الناس ، فأقبل به إلى أحد القضاة واسمه ( شريح ) ليخاصمه ويقاضيه ، ولمّا كان الرجلان أمام القاضي ، قال الخليفة : إنّها درعي ولم أبع ولم أهب . فسأل القاضي الرجل المسيحي : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال المسيحي : ما الدرع إلّادرعي وما أمير المؤمينن عندي بكاذب ، وهنا التفت القاضي إلى الخليفة يسأله هل من بيّنة تشهد أنّ هذه الدرع لك ؟ فضحك الخليفة وقال : أصاب شريح ، ما لي بيّنة ، فقضى شريح بالدرع للرجل المسيحي فأخذها ومشى ، إلّاأ نّه لم يخط خطوات قلائل حتّى عاد يقول : أمّا أنا فأشهد أنّ هذه
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 302
مساهمون: اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )
ص٣٠٢