إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ( 1 ) ومعتلفه ( 2 ) ، وقام معه
بنو أبيه يخضمون ( 3 ) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث عليه
فتله ( 4 ) ، وأجهز عليه عمله ( 5 ) ، وكبت ( 6 ) به بطنته ( 7 ) .
فما راعني إلا والناس كعرف الضبع ( 8 ) إلي ، ينثالون ( 9 ) علي من كل
جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاي ( 10 ) ، مجتمعين حولي
كربيضة الغنم ( 11 ) .
فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ( 12 ) ، ومرقت أخرى ( 13 ) ، وقسط
آخرون ( 14 ) ، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول : * ( تلك الدار الآخرة نجعلها
للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، والعاقبة للمتقين ) * ( 15 ) .
بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا ( 16 ) في أعينهم ،
وراقهم زبرجها ( 17 ) .
أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ( 18 ) ، وقيام
هامش
( 1 ) نافجا حضنيه : رافعا لهما والحضن : ما بين الإبط والكشح . النثيل : الروث وقذر الدواب .
( 2 ) المعتلف : موضع العلف .
( 3 ) الخضم : أكل الشئ الرطب .
( 4 ) انتكث عليه فتله : انتقض .
( 5 ) أي : تمم قتله .
( 6 ) كبت به : من كبا به الجواد : إذا سقط لوجهه .
( 7 ) البطنة : البطر والأشر والتخمة .
( 8 ) عرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر . يقال في الكثرة والازدحام .
( 9 ) يتتابعون مزدحمين .
( 10 ) شق عطفاه : خدش جانباه من الاصطكاك .
( 11 ) ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة من الغنم .
( 12 ) نكثت طائفة : نقضت عهدها . أراد أصحاب الجمل .
( 13 ) خرجت وفسقت . أراد أصحاب النهروان .
( 14 ) قسط آخرون : جاروا . أراد أصحاب الصفين .
( 15 ) القصص : 83 .
( 16 ) من حليت المرأة : إذا تزينت بحليها .
( 17 ) الزبرج : الزينة من وشي أو جوهر .
( 18 ) أراد بالحاضر هنا من حضر لبيعته ، فحضوره يلزمه بالبيعة .