لم ينفذوا أمره ! وكفى بالصبر على هذا - يا أخا اليهود - صبرا ، فمكث القوم
أيامهم كلها ، كل يخطب لنفسه وأنا ممسك عن أن سألوني عن أمري ،
فناظرتهم في أيامي وأيامهم وآثاري وآثارهم ، وأوضحت لهم ما لم
يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم وذكرتهم عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إليهم
وتأكيد ما أكده من البيعة لي في أعناقهم ، دعاهم حب الإمارة وبسط
الأيدي والألسن في الأمر والنهي والركون إلى الدنيا والاقتداء بالماضين
قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله لهم ، فإذا خلوت بالواحد ذكرته أيام الله
وحذرته ما هو قادم عليه وصائر إليه ، التمس مني شرطا أن أصيرها له
بعدي ! فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة البيضاء والحمل على كتاب الله عز
وجل ووصية الرسول وإعطاء كل امرئ منهم ما جعله الله له ، ومنعه ما لم
يجعل الله له ، أزالها عني إلى ابن عفان طمعا في الشحيح معه فيها ، وابن
عفان ، رجل لم يستو به وبواحد ممن حضره حال قط فضلا عمن دونهم .
لا ببدر التي هي سنا فخرهم ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله
ومن اختصه معه من أهل بيته ، ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك
حتى ظهرت ندامتهم ونكصوا على أعقابهم وأحال بعضهم على بعض ، كل
يلوم نفسه ويلوم أصحابه ، ثم لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان
حتى أكفروه وتبرؤوا منه ، ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عامة يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته ، فكانت
هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها وأفظع وأحرى أن لا يصبر عليها ، فنالني
منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحد وقته ، ولم يكن عندي فيها إلا الصبر على
ما أمض ( 1 ) وأبلغ منها ، ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كل راجع
هامش
( 1 ) أمض : أوجع .