و من ثمّ فإنّ وجود الرواة العرب الأقحاح من الرعيل الأوّل دون غيرهم فى كمٍ هائل من الأسانيد الموصلة إلى مَعين الحديث وأصله الشريف ، يؤكّد وضوح فساد تلك العلّة ، فمن غير المعقول أن لا يعلم النحاة بكلّ هذا فى الوقت الذى أقتبسوا فيه المنهج السندى وللمحدّثين فى دراساتهم اللغوية والنحوية .
و من هنا يمكن القول بأنّ الذرائع التى نسبها متأخّرو النحاة لمتقدّميهم بشأن عدم احتجاجهم بالحديث الشريف ، واهية لا تصمد أمام النقد العلمى ، ولا يمكن أن نعتمدها فى بيان سرّ إعراضهم عن الحديث الشريف فى مجال استشهاداتهم اللغوية والنحوية .
والسبب الذى نراه وراء حصر احتجاجاتهم بشعر العرب ونثرهم ، إنّما هو يصبّ فى خدمة الشريعة الغرّاء قرآناً كانت أو سنّةً ، ويمكن توضيحه من خلال معرفة الغرض الحقيقى الكامن خلف سعى النحاة واللغويين الدؤوب فى تتبّع ما يصحّ الاستدلال به من شعر العرب ونثرهم ، إذ لا يمكن أن يكون عبثاً أو لهواً ، وعليه لابدّ أن يكون الغرض عظيماً يفوق الجهود المضنية المبذولة فى تتبّع ما قاله العرب الأقحاح شعراً ونثراً .
ولا يمكن أن يقال إنّ الغرض هو صيانة اللغة العربية من الضياع بعد أن شابها ما شابها من مزيج مختلط ، ذلك لوجود الحارس الأمين الخالد على تلك اللغة وهو القرآن الكريم بسوره وآياته وألفاظه وحروفه التى لا ولن يعتريها تبديل أو تغيير أو نقص أو زيادة .
ومع هذا لا ينكر ما تضمّنه القرآن الكريم من لغات العرب الفصحى وإن نزل بلغة قريش ، كما لا ينكر ما فيه من مفردات لغوية تتّسع لأكثر من معنى ، وتراكيب إعرابية تحتمل أكثر من تأويل ، ولهذا اختلف الصحابة أنفسهم فى الكشف عن معانى بعض الآيات القرآنية ، وكان اختلاف التابعين بعدهم أكثر ، ونظرة واحدة إلى تفسير الطبرى تكشف عن هذا الاختلاف بكلّ وضوح .
وأمّا عن الحديث الشريف ، فإنّ كثيراً منه قد صدر بلفظه عمّن هو أفصح من نطق
شناخت نامهء كلينى و الكافى ( فارسى ) — صفحة 325
مساهمون: محمد قنبرى
ص٣٢٥