بعد استقراء كلام العرب ودراسة مختلف أساليبه ، فكان للشعر النصيب الأوفر فى تلك الدراسات ، لأنّه أقلّ الفنون الأدبية تعرّضاً للتصحيف والتحريف ، ذلك لكون الملكة الإنسانيّة أقدر على حفظ الشعر من غيره باستثناء الكتاب الكريم لما يختزن فيه من الوزن والقافية .
و من هنا أصبحت الحاجة ماسّة إلى الشاهد الشعرى لأغراض الاحتجاج اللغوى ، فتوجّهت عناية علماء العربية إلى دراسة النصوص الشعرية وحفظها وشرحها ونقدها ، و من ثمّ الاستدلال بها على صحّة قواعد اللغة والنحو والصرف ومعرفة شواذّها ، كما عنوا بمعرفة اسم الشاعر وحدّدوا عصره ، وناقشوا فى مدى صحّة نسبة الشعر إليه .
كما اعتنى به سائر المفسّرين والمحدّثين ، لغرضٍ أجلّ وأسمى ، إذ سخّروا كما هو معلوم طاقات اللغة العربية وآدابها ، ويأتى الشعر فى طليعتها ، لخدمة النصّ الشرعى المقدّس .
وقد اشتهر عن ابن عباس رضى الله عنه كثرة استشهاده بشعر العرب فى تفسيره ، فإذا سئل عن شى ءٍ من القرآن أنشد فيه شعراً ، وكان يقول : إذا قرأتم شيئاً من كتاب اللَّه فلم تعرفوه ، فاطلبوه فى أشعار العرب ، فإنّ الشعر ديوان العرب « 1 »
الشاهد فى اللغة
المراد بالشاهد فى اللغة : قول عربى شعر أو نثر ، قيل فى عصر الاحتجاج وحدّدوه بالعصر الجاهلى إلى منتصف القرن الثانى الهجرى . « 2 »
أغراض الاحتجاج
للاحتجاج اللغوى غرضان :
الأوّل : لفظى ، وذلك لإثبات صحّة استعمال لفظة أو تركيب و ما يتبع ذلك من قواعد فى علم اللغة والنحو والصرف .
الثانى : معنوى ، ويتعلّق بإثبات معنى كلمة ما ، و ما يتبع ذلك من قواعد بلاغيّة فى علم المعانى والبيان والبديع .
هامش
( 1 ) . العمدة ابن رشيق ، ج 1 ، ص 90 - 91 .
( 2 ) . يورد للاحتجاج به على قول أو رأى أو قاعدة المعجم المفصّل ، ميشال عاصى وإميل بديع ، ج 2 ، ص 727 .