واختصّت مشيئة إبراهيم عليه السلام بذلك ، لزم غلبة مشيئته مشيئةَ اللَّه ، ولا يلزم التناقض ؛ لاختلاف زمانهما .
فإن قيل : ما الدليل على اختلاف زمانهما ؟
قلت : تأخّر سببها ؛ لأنّه من فعل العبد ، مثلًا عدمُ مخالفة إبراهيم عليه السلام سبب لمشيئة عدم الذبح الذي كان سبب مشيئته إيصالَ الثواب إلى إبراهيم عليه السلام بعدم المخالفة ، ولا ريب في تقدّم الابتلاء على عدم المخالفة ؛ واللَّه أعلم .
في حديث الفُضَيل بن يَسار « 1 »
قوله عليه السلام : ( وأرادَ ولم يُحِبَّ ولم يَرْضَ . . . ) .
حاصل معنى هذا الحديث - واللَّه أعلم - أنّه لا منافاة بين أن يشاء شيئاً ويريده وهو لا يحبّه ولا يرضاه ؛ لأنّه كثيراً ما يكون أشياء لم يحبّها ولم يرضها مع أنّه شاءها وأرادها ، بمعنى أنّ مريدها ليست إرادته ومشيئته غالبةً لإرادة اللَّه ومشيئته .
ثمّ مثّل له بمثالين : مثالِ تبيين ومثال توضيح .
أمّا الأوّل ، فهو قوله عليه السلام : ( شاء أنْ لا يكونَ شيءٌ إلّابعِلْمِه . . . ) .
فإذا كان عالماً بجميع الأشياء ولم يجبر على فعلها ولم يمنع وجودها وتحقّقها فقد شاءها ، وإلّا لزم العجز ، تعالى اللَّه عنه . وهكذا نقول في الإرادة ، فجميع الأشياء بعلمه وإرادته مع أنّه لم يحبّ جميعها ولم يرض جميعها .
وأمّا الثاني ، فقوله عليه السلام : ( لم يُحِبَّ أن يقالَ : ثالثُ ثلاثةٍ ، ولم يَرْضَ لعباده الكُفْرَ ) .
أي علّة بطلان هذا القول وعدم جبره يدلّ على إرادته وعدم عجزه عن النهي عنه ؛ لأنّ مع العلم لو لم يكن مريداً لهما بالمعنى المذكور ، لزم المحذور ؛ فهو مريد ومُشيء « 2 » مع عدم المحبّة والرضا ؛ فاجتمعا ، فتحقّق عدم تضادّهما ؛ فليتأمّل .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 151 ، ح 5 .
( 2 ) . كذا ، والأولى : « شاءٍ » .