قد تقرّر من الأحاديث السابقة أنّ المشيئة غير الإرادة ، وأنّها علّة لها ولغيرها ، فمعنى « أمر اللَّه ولم يشأ ، وشاء ولم يأمر » أنّ الأمر والمشيئة ليسا متلازمين حتّى يلزم منه العجز عن الجبر عمّا نهى عنه ، بل الحكمة اقتضت أن يهب القوّة على الفعل والترك ، ففعل المأمور به وتركه هما بمشيئته .
ومثّل عليه السلام للأوّل بقوله : ( أمَرَ إبليسَ أن يَسجُدَ لآدمَ ، وشاء أنْ لا يَسْجُدَ ، ولو شاء لَسَجَدَ ) أيوعدم السجود أيضاً من مشيئته ، فلو كانت مشيئته منحصرة في السجود فقط لَسَجَدَ ، أيللزم عدم التخلّف ؛ وذلك لأنّ مشيئته عدمَ السجود لا دلالة فيها على عدم مشيئة السجود . ويدلّ أيضاً على عدم الانحصار قوله عليه السلام : « ولو » أيولو انحصرت المشيئة في السجود لَسَجَدَ .
فإن قيل : يمكن أن يفهم من قوله عليه السلام : « وشاء أن لا يسجد » أنّ المشيئة منحصرة في عدم السجود ، ويكون معنى قوله : « ولو شاء لسجد » - لو لم تكن منحصرة في عدم السجود - أيلوشاءهما معاً لسَجَدَ .
قلنا : مشيئتهما معاً لا ملازمة بينها وبين تحتمّ سجوده .
فإن قيل : يمكن أن يكون المراد بقوله : « ولو شاء لسجد » لو لم تكن المشيئة منحصرة في عدم السجود ، احتمل سجوده وعدم سجوده ، وشرط « لو » منفيّ فهو مثبت ، وجوابها مثبت فهو منفيّ ، وإذا انتفى الاحتمال وجب عدم السجود ؛ لأنّهما نقيضان فلا يجبان ، وانحصار المشيئة في عدم السجود يناقض وجوب السجود ، وعند بطلان الاحتمالين يجب الثالث .
فالجواب : أنّ اللام تمنع هذا الاحتمال .
وكذلك أيضاً قوله عليه السلام : ( ونهى آدمَ عن أكْلِ الشجرةِ ، وشاء أن يَأكُلَ منها ) ، أي لو لم يكن الأكل من مشيئته ، أيلوشاء عدمه لم يأكل ، أيلم يتحقّق منه الأكل ، ف « لو » تدلّ على أنّ أكله كان بمشيئته ؛ لأنّ ما بعدها منفيين ، فهما موجبين « 1 » ؛ فليتأمّل .
هامش
( 1 ) . كذا ، والصحيح : « منفيّان فهما موجبان » .