وقد كُذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على عهده حتّى قام خطيباً ، فقال : أيّها النّاس ، قد كَثُرَتْ علَيَّ الكَذّابَةُ ، فمن كَذَبَ علَيَّ مُتعمّداً فَلْيتبوَّأ مَقعدَه من النار ، ثمّ كُذِبَ عليه من بعده ، وإنّما أتاكم الحديثُ من أربعةٍ ليس لهم خامس :
ص 63
رجلٍ منافقٍ يُظهر الإيمانَ ، مُتصنِّعٍ بالإسلام ، لا يَتأثَّمُ ولا يَتحرَّجُ أن يَكذبَ على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله متعمّداً ؛ فلو عَلِمَ الناسُ أنّه منافق كذّاب ، لم يَقبلوا منه ولم يُصدّقوه ، ولكنّهم قالوا هذا قد صَحِبَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله ورآه وسَمِعَ منه ، وأخَذوا عنه وهم لا يَعرفون حالَه .
وقد أخبَرَه اللَّه عن المنافقين بما أخبَرَه ، ووَصَفَهم بما وَصَفَهم ، فقال عزّ وجلّ :
« وَإِذا
شرح
قوله عليه السلام فيه : ( رجلٍ منافقٍ يُظهِرُ الإيمانَ ، مُتَصَنِّعٍ بالإسلامِ ، لا يَتَأَثَّمُ ولا يَتَحَرَّجُ أن يَكْذِبَ على رسولِ اللَّه صلى الله عليه وآله مُتَعَمِّداً ) .
« المنافق » مأخوذٌ من النفق وهو السرب ، أي يتستّر بالإسلام كما يتستّر الرجل في السرب ، ويقال : هو من قولهم : نافق اليربوع ونفق : إذا دخل نافقاءه ، فإذا طُلب من النافقاء ، خرج من القاصعاء ، وإذا طُلب من القاصعاء ، خرج من النافقاء ، والنافقاء والقاصعاء والراهطاء والدامساء أسماء جِحَرَة اليربوع ؛ ذكره في الغريب « 1 » .
وتصنّعه بالإسلام : تكلّفه له ، وتدلّسه به ، وتحلّيه به من غير أن يكون من أهله .
« لا يتأثّم » أي لا يعدّ نفسه آثماً بما يفعله من الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله .
« ولا يتحرّج » أي لا يعتقد أنّ عليه في ذلك حرجاً . والحرج : الضيقُ .
وفي الصحاح : تأثّم ، أي تحرّج عنه وكفّ « 2 » . فالعطف تفسيريّ .
وعلى الأوّل معناه : لا يجعل هذا أمراً ضيّقاً عليه بحيث يمتنع منه ، وأصل التأثّم والتحرّج للتجنّب ، أي ليدلّ على أنّ الفاعل جانَبَ أصل الفعل ، وهو هنا
هامش
( 1 ) . غريب القرآن ، ص 428 .
( 2 ) . الصحاح ، ج 5 ، ص 1858 ( أثم ) .