مكتوماً منذُ بعث اللَّه نوحاً عليه السلام ، فليذهب الحَسَنُ يميناً وشمالًا ، فواللَّه ما يوجد العلمُ إلّا هاهنا » .
شرح
كتم العلم ، والإمام عليه السلام أعلم بمواقع الكلام ومقاصده .
وإنّ كلام الحسن البصري كان مشتملًا على مثل « 1 » ما ذكر ومحلّاً لأن يُرَدُّ ، فلا يرد إمكان حمل كلام الحسن البصري على من يكتم العلم في حال لا يجوز له كتمه ، فإنّ ذلك مذموم في الكتاب والسنّة وهم عليهم السلام أمروا بنشر العلم .
ويمكن أن يكون هذا الكلام اخترعه الحسن البصري أو وضعه ، فيرد عليه ما ذكر .
الثالثة : أنّه كأنّه لمّا رأى ذمّ كتم العلم في الكتاب والسنّة حمله على العموم ، ولم يأخذ وجه تأويله عنهم عليهم السلام ليظهروا له من يؤاخذ بالكتم ومن لا يؤاخذ به بل قد يجب عليه .
وقوله عليه السلام : « فليذهب الحسن يميناً وشمالًا » . الأمر فيه يحتمل الإهانة والإدلال أو الاحتقار ، كما قيل في قوله تعالى :« ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ »« 2 » وفي قوله تعالى :« قُلْ كُونُوا حِجارَةً »« 3 » على أحد الوجهين ، والآخر فيه التسخير .
ويحتمل التخويف ، نحو« اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ »« 4 » .
ويحتمل بعيداً الإنذار ، كما قيل « 5 » في قوله تعالى :« قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا »« 6 » .
وهو عبارة عن كونه في علمه كمن لا يهتدي إلى الطريق المستقيم ، ويكون سلوكه إلى جهة اليمين والشمال مع عماه أو ضلاله عن السلوك في جادّة الطريق وحقيقته ، فهو ضالّ في علمه كما يضلّ هذا السالك .
وقوله عليه السلام : « فواللَّه ما يوجد العلم إلّاهاهنا » لفائدة أنّ العلوم التي لم تؤخذ
هامش
( 1 ) . في « ب » : « نحو » .
( 2 ) . الدخان ( 44 ) : 49 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 50 .
( 4 ) . فصلت ( 41 ) : 40 .
( 5 ) . انظر : التبيان ، ج 9 ، ص 13 ؛ معاني القرآن ، ج 6 ، ص 156 ؛ زاد المسير ، لابن الجوزي ، ج 7 ، ص 7 .
( 6 ) . الزمر ( 39 ) : 8 .